بشرى إيجورك: لم تكن نيتي السرقة وأعتذر لكل من مسه خطئي

ADSENSE

بشرى ايجورك

"حينما تختار سلاح القلم لتعبر عن ذاتك وعن هموم وطنك وأنين أهلك، وتمد يدك لتصافح روحك في تعاقد صامت بين جسدك وفكرك أن تظل حرا، صابرا وشامخا..

حينما تغض البصر عن كل ما يمكنه أن يغير سكة قطارك و تفضل أن تعاني لوحدك علك تقدم فكرا صادقا من وجودك وإحساسك واختياراتك ومثلك وأنت عابر في هاته الدنيا تتدحرج نحو نهايتك..

حينما ترفض أن تساوم أو تباع أو تشترى، و تظل متمسكا بتلابيب أحلامك ترسمها بحروفك وترسلها لتعبر المسافات شمالا و جنوبا، شرقا و غربا وقد حملتها ما لا يكفي من أوجاع وطنك و هموم المنسيين و الكادحين ومن لا صوت لهم ولا أحلام ولا أقلام ولا كلمات..

حينما تتبين طريقك، و تمضي بلا خوف ولا ترقب دون أن تلتفت، تحمل قلبك بين يديك و ترفع رأسك و تصرخ بأعلى صوتك..

حينما ترمي بنفسك في حلبة الحياة أعزلا إلا من قلم، فإنك تدرك تماما أنك لست في نزهة و بأن سكتك ليست ملأى بالورود و بأن عبورك لن يكون سهلا سلسا دون طعنات من الخلف ولا حقد ولا حسد ولا كبوات ولا تعثر ولا خدوش و لا هجوم و لا ندبات.

أقوى لحظات الحياة حينما يفاجئك ظلم غير متوقع، تتهم وتدان وتحاكم حتى قبل أن تستفيق من صدمتك، تباغثك ألسنة و سيوف ومقصات وحجارة ولدغ..فلا ألم و لا جراح ولا دم ولا دمع .. لا تحس بشيء مطلقا، كأنك قتلت وقُطعت أطرافك ومثل بك..فتسللت روحك من جسدك لتقف شاهدا على إعدامك.

وقفت روحي مكابرة تتفرج على من كانوا بالأمس القريب يمدحونني ويطلبون ودي، يهجونني اليوم .. صادفت أعداء وقد خلعوا فروة الأصدقاء يأكلون لحمي نيئا، اصطدمت عيوني بوجوه لم أتبين ملامحها، و سمعت لغوا كثيرا و أصوات ترتفع وأقلام تصوب طلقاتها نحو جسدي الأعزل في حملة مسعورة لم توجه لأعتى الخونة المرتزقة ولا لأشهر ناهبي المال العام ولا سماسرة الوطن الذين يعيثون فسادا في جسده المنهك منذ سنين طويلة دون محاسبة و لا مساءلة ولا مقاضاة.

ثمان سنوات من الكتابة، مئات المقالات كتبتها بمداد الألم والدمع والحب والوفاء والوطنية، جبت العالم أروي قصص الناس و أحلامهم و همومهم و آمالهم..حُرمت من حقوق عدة كمخرجة وفنانة بسبب مقالات نعيت فيها حال زملائي الفنانين وطالبت دون خوف و لا تردد بالمساواة والعدل وكنتُ صوت المنسيين في القرى والمداشر والمغرب العميق .

لم أتردد يوما في قول الحقيقة التي أومن بها، و لم أسخر يوما كلماتي لأغراض شخصية و لا مكاسب و لا مناصب ولم أخلف موعدا مع قرائي إلا مجبرة، كتبتُ في المطارات و القطارات و الفنادق و الصحاري.. كتبت من دول الأنوار ومن عواصم الاستبداد ومن أقسى حدود الفقر و الظلم ..

أ بعد ثمان سنوات من الكتابة المتواصلة أسرق مقالا عن سبق إصرار و ترصد و أنشره و أوزعه؟ أ تنقصني الحكمة أو التبصر أو الابداع؟ أم جف مدادي وفقدت عقلي لأتطاول على كتابات الغير عن قصد و بسوء نية؟

لقد طلب مني قرائي الأوفياء و كل من ساندني ودعمني ووقف بجانبي أن لا حاجة لهم لتوضيح لأنهم يعرفون مسبقا أنني لا أسرق وليس من شيمي تبني أفكار الغير ولا أستنسخ شيئا ليس لي، لكنني لا أجد عيبا في توضيح اللبس والاعتراف بخطئي في العودة إلى مقال سجلته بقائمة حاسوبي باسمي منذ 2011 كي أكتشف بمجرد صدوره أنه مقال منشور منذ 2002 أو2008 و بأنه يعود لكاتبة خليجية، ولم تكن في نيتي السرقة ولا الاستنساخ وأعتذر لكل من مسه خطئي من قريب أو بعيد فالخطأ إنساني كما النسيان، و كما السهو وكما الشك.. لكن كيل الاتهامات والتسرع والحقد والقسوة والظلم تدبير غريزي لردود أفعال لا تخص الإنسان ولا العقل و لا الحكمة ولا أدنى أبجديات الاحترام والحوار والإنصات و التحضر.

في المحن تكتشف الصديق الوفي، و تفاجأ بالعدو الصديق وتظهر بحياتك أشباح لا ترى تتربص بك وتطلب القصاص، لكنني شعرت بقيمة الوفاء من الأصدقاء و لقراء و شخصيات عدة، شعرت بدفء خاص.. بذاك الشعور الذي يحتاجه المظلوم كي يرتاح فؤاده..فلقد تعودت أن أعطي الكثير وآخذ القليل، أن أبتسم ملأ الشفاه وأعيش بسلام داخلي و بياض لا شائبة فيه..تأملت بصدق ما تعرض له زملاء صحفيين عدة و كتاب ومناضلات ومقاومين من تنكيل و سجن وتحامل وتحقير وسلب للحقوق وتحرش بالكرامة، فقلت نصيبي بسيط لا يستحق الذكر، و قطعت عهدا أن أطوي الصفحة و أنسى بمجرد أن أنهي كلماتي و أرفع يدي بالدعاء لله بأن يسامح كل من مسني بسوء، فحينما تسامح ترتاح وتشرق شمس غذك الجديد.

لقد أصبح الكثير من أبناء هذا البلد عنيفين بشكل مخيف، و أصبح كيل التهم هواية يومية قد تصبح عادة عادية إن لم ننتبه..لقد أصبحت عبارات الحقد والكراهية والتنكيل لغة الحوار و الجدل .. وربما آن الأوان لندق ناقوس الخطر، فالعنف لا يولد سوى العنف، و هاته الأحقاد المتخفية بجبن خلف الحواسيب قد تخرج يوما لتكتسح الشوارع، و إن كنا نحسد على نعمة السلم و الطمأنينة يلزمنا أن نحافظ عليها و نربي أبناءنا على قيم الحوار والتخاطب والنقاش والإنصات والتريث والتبصر, والعفو والتفهم والتسامح ..

حينما تصاب بإدمان القلم، تعجز عن كسره أو نسيانه أو التخلي عنه..قدرنا أن نحيا بألم ونبدع بألم و نكتب بألم، لكن عذوبة نظم الكلم وبث الأفكار لا تضاهيها نشوة و ا تتوقف إلا بدفنك تحت التراب حينها فقط قد ترتاح وتترك كلماتك تحيا في غيابك.

أختم بدعاء من آيات الخالق عز وجل: "رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" صدق الله العظيم".

إضافة تعليق

   





Scroll to top