صحيفة فاينانشال تايمز:التجارة الحرة :إوزة تضع الذهب في سلة إفريقيا

ADSENSE

حين كان تشارلز أوبونج وثلاثة من السائقين الآخرين يستعدون لقضاء ليلة تاسعة ينامون فيها تحت شاحناتهم عند نقطة حدودية، أخذ المسؤولون في ساحل العاج وغانا يلقون باللوم على بعضهم بعضا في التسبب في تأخير من هذا القبيل.
اشتكى مسؤول في ساحل العاج وهو يشير بإصبعه إلى المسؤولين الغانيين، من أن غانا تصر على إغلاق المعبر الحدودي في السادسة والنصف مساء كل يوم. 
على بعد 500 كيلومترا، رد أحد مسؤولي الجوازات الغانيين بأن قوانين بلده "لا تشوبها شائبة"، وأضاف أن "الصعوبات تأتي من جيراننا". 
قال أوبونج وزملاؤه الذين يشعرون بالإحباط إن هناك خلافا حول الرسوم الجمركية التي ينبغي دفعها أثناء عبور الحدود من ساحل العاج، لكن حمولتهم كانت بالكاد مثيرة للخلاف - كل ما كانوا ينقلونه في شاحناتهم هو كرتونات حليب فارغة. 
وقال: "نرجو أن تتم تسوية الأمر غدا، لكننا أوفر حظا من بعض الناس. بعض الشحنات تتأخر هنا لمدة شهر". 
بعض المشاكل مشتركة عبر إفريقيا، حيث يُلقى باللوم على اللوجستيات السيئة، ومَواطن اختناق الإجراءات البيروقراطية، والبنية التحتية المتهالكة، والفساد، في عرقلة التجارة عبر حدود القارة. 
ساحل العاج وغانا عضوان في الجماعة الاقتصادية للدول في غرب إفريقيا "إيكواس" التي تسمح بمرور شحنات معفاة من الرسوم الجمركية للمنتجات التي تُصنع في البلدان الأعضاء في الكتلة، ويبلغ عددهم 15 بلدا.
كون أوبونج وزملاؤه يتعرضون للتأخير، فهذا دليل على التحديات أمام الساسة ورجال الأعمال الذي يحاولون تعميق الروابط الاقتصادية ضمن بلدان القارة. 
الأمل هو أن القضايا التي من هذا القبيل سوف تذهب إلى محفظة التاريخ في أعقاب توقيع اتفاقية بارزة للتجارة الحرة، على مستوى القارة في الشهر الماضي. 
"منطقة التجارة الحرة لقارة إفريقيا"، التي وقعها زعماء 44 بلدا إفريقيا، تهدف إلى تقليص 90 في المائة من الرسوم الجمركية إلى الصفر من مستواها الحالي البالغ 6.1 في المائة. 
قال نانا أكوفو آدو، رئيس غانا بعد التوقيع على الاتفاقية: "لدينا الآن هيكل للتجارة المعقولة ضمن القارة. زيادة التجارة هي أكثر الطرق المضمونة لتطوير علاقات مثمرة بين بلداننا، وتعزيز التنمية، وتحقيق الرفاهية". 
يقول المحللون إن ذلك ينطوي على إمكانات كبيرة، تتباهى إفريقيا بسوق تشتمل على 1.2 مليار نسمة، وناتج اقتصادي إجمالي يبلغ 2.5 تريليون دولار، بحسب ما يقول الاتحاد الإفريقي. 
وتقول الأمم المتحدة إن من المتوقع أن يرتفع عدد السكان إلى الضعف بحلول عام 2050، إلا أن التجارة بين البلدان الإفريقية لا تشكل سوى نحو 170 مليار دولار، أو 18 في المائة من إجمالي التجارة الرسمية للقارة، وفقا للبنك الإفريقي للاستيراد والتصدير. وهذا يقارن بنسبة 68 في المائة بالنسبة لبلدان الاتحاد الأوروبي.
تقديرات اللجنة الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة في إفريقيا أشارت إلى أنه في حال التطبيق التام للاتفاقية التجارية الجديدة، فإن من شأن التجارة الداخلية في إفريقيا أن تتضخم بنسبة 50 في المائة على الأقل خلال خمس سنوات. 
سوف يكون من الصعب ترجمة أحلام الزعماء إلى واقع. أكبر اقتصادين في القارة، وهما نيجيريا وجنوب إفريقيا، من بين 11 حكومة رفضت التوقيع على الاتفاقية. 
ادعاءات الزعماء في البلدين أنهم بحاجة إلى حماية الصناعات المحلية الناشئة توضح الكيفية التي يمكن بها أن تقف المصالح الوطنية للبُلدان في وجه مزيد من التكامل في القارة. 
بارفيت كواسي، وهو رجل أعمال من ساحل العاج ونائب رئيس مجلس الغرفة التجارية في بلاده، قال إنه "متشكك للغاية" بشأن الآفاق قصيرة الأجل للاتفاقية التجارية، بسبب "العدد الكبير من المسؤولين من ذوي العقلية الضيقة". 
لقد أراد في الفترة الأخيرة أن ينشئ مصنعا للأدوية في بنين، لكن "ذلك لم يحدث بسبب البيروقراطية". 
وأضاف كواسي: "إذا أردتُ تصدير أدوية من هنا إلى بوركينا فاسو المجاورة، يجب أن أصدرها أولا إلى فرنسا".
أرانشا جونزاليز، المديرة التنفيذية لمركز التجارة الدولي، وهي وكالة منتدَبة من الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، اعترفت أن التنفيذ سيكون صعبا، وذلك جزئيا لأن إفريقيا "تتألف من 55 سوقا، هي نتاج التاريخ وليست نتاج التفكير المستنير". 
وقالت: "أكبر عقبة هي هيكل السلطة في البلدان التي تعتمد إلى درجة كبيرة فوق الحد على الوضع الراهن بدلا من الانفتاح على العالم. 
التجارة في حالة فوضى في كثير من البلدان، لأنها مصممة لتمويل نشاطات لا تعمل على تعزيز الحركة الحرة للبضائع والخدمات". 
مع ذلك، تظل هناك أمثلة تُبين أن التجارة الإقليمية يمكن أن تنجح إذا توافرت الظروف المناسبة.
الحركات التجارية بين كينيا وأوغندا شهدت تغيرات كبيرة منذ إنشاء "مركز واحد" للحدود في بوسيا، وهما بلدتان تحملان الاسم نفسه، وتقعان على جانبي الحدود لهذين البلدين الواقعين في شرق إفريقيا، في عام 2016.
يجلس المسؤولون من البلدين بجانب بعضهما من أجل إلغاء تكرار الخدمات. قال مايكل أكيو، وهو مسؤول كبير في الجمارك الأوغندية: "حين وصلتُ إلى هنا في البداية على الحدود قبل ستة أعوام، كانت أوقات الفسح الجمركي تصل أحيانا إلى ستة أيام. الآن لا تستغرق الإجراءات في العادة نحو 20 دقيقة، أو في أسوأ الحالات ساعتين".
هذه نقطة يؤيدها سائقو الشاحنات الذين ينتظرون على الحدود. وتقول السلطات الكينية واليوغندية المسؤولة عن الإيرادات إن دخلهما من المركز الحدودي ارتفع بنحو 50 في المائة منذ افتتاحه، فيما ينسب السبب في التحسن بالأكثر إلى الكفاءة. 
لعل أكبر ثورة تجري في القطاع غير الرسمي الذي يشكل ثلاثة أرباع التوظيف في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. 
بنيديكت أوراما، رئيس البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، يقدر أن التجارة غير الرسمية العابرة للحدود تصل قيمتها إلى 60 مليار دولار سنويا عبر القارة. 
المرافق الخاصة، بما في ذلك المستودعات والمكاتب المخصصة للمؤسسات التي يديرها متطوعون محليون، تم إدماجها في المركز الحدودي حتى يتمكن التجار، وكثير منهم يحملون بضائع تبلغ قيمتها بضع مئات من الدولارات، من تسيير المعاملات بسرعة. 
قالت ستيلا روز: "اعتدتُ أن أُهرِّب الغالبية العظمى من بضائعي". وأضافت أنها تتعامل بالتجارة عبر الحدود منذ 26 عاما. 
وتقول: "الآن زادت الغرامات التي يجب أن تُدفع حين يُمسَك بك، وتكلفة استخدام مركز الحدود الرسمي تراجعت بمقدار الثلثين، بالتالي أنا أعبر الحدود الآن بشكل سليم". 
وقال متطوعون على الحدود إن 26 ألف تاجر غير رسمي عبروا الحدود في السنة الماضية، وهو نحو ضعف العدد قبل سنة، ويتوقعون نموا بنسبة مماثلة هذا العام. دعاة التجارة الحرة يرْجُون أن تتردد أصداء قصص النجاح التي من هذا القبيل سرعة عبر القارة. 
تجربة كتلة شرقي إفريقيا تظل مجرد استثناء، ويحذر المحللون من أن التكامل الأرحب على مستوى إفريقيا سوف يكون عملية طويلة وشاقة. 
قال كواسي: "سوف يميل التيار لصالح التجارة الحرة في نهاية المطاف، لكننا سنحتاج إلى أكثر من عشر سنوات، لأن (الدول الحمائية) تخشانا أكثر مما تخشى البلدان المتقدمة".

إضافة تعليق

   





Scroll to top