صحيفة فاينانشال تايمز: تنافس صيني - هندي على تحريف التاريخ

ADSENSE

عندما التقى قادة الهند والصين في أواخر الشهر الماضي، لفت مكان اللقاء، وهو متحف في مدينة ووهان الصينية، الانتباه إلى مصدر جديد للتوتر بين القوتين العظميين الآسيويتين
رسميًا، حقق الاجتماع "غير الرسمي" بين ناريندرا مودي وشي جينبينج هدفه في إصلاح العلاقات المشحونة في أعقاب مواجهة عسكرية متوترة في العام الماضي
لكن صراعًا آخر أكثر أهمية أخذ في التصاعد، وهو ما أبرزته بوضوح تام خلفية قطع أثرية صينية قديمة: المعركة على التاريخ والحضارة
قال المؤرخ البريطاني الماركسي، إيريك هوبسباوم، ذات مرة "المؤرخون بالنسبة للنزعة القومية مثل زرّاع الخشخاش لمدمني الهيروين: نحن نورّد المواد الخام الأساسية للسوق". وهذا ينطبق بشكل خاص على قائدي أكبر بلدين في العالم من حيث عدد السكان. فكل منهما يعتبر نفسه الرجل القوي المختار للإشراف على تجديد الحضارة القديمة
إن كلا من شي ومودي أكثر قومية بكثير من سابقيهما، وكلاهما شجع التحريف المُسَيَّس للتاريخ على حساب الدراسة العلمية الجادة
وأصبحت حقبة العصر الحجري الحديث ساحة المعركة الحاسمة في سباق التسلح بالآثار؛ لأن كلا البلدين يسعى إلى المطالبة باعتباره مهد الحضارة
يتفق معظم المؤرخين الجادين على أن الحضارة الإنسانية الأولى ظهرت في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين فيما يطلق عليه اليوم الشرق الأوسط، إلا أن تأثيرها في المجتمعات الأخرى يبقى محل نزاع. وغالباً ما يدعي "الخبراء" البارزون والمدعومون من الدولة في الصين والهند أن التركيز على الشرق الأوسط هو مؤامرة غربية لحرمان بلادهم من مكانها الشرعي
في الهند، أنصار التنقيح التاريخي مهووسون بشكل غير طبيعي بالخيول، ويرجع ذلك إلى أن أقدم النصوص المقدسة الهندوسية مليئة بالإشارات إلى الخيول والعربات، لكن أقدم دليل أثري على الخيول في وادي السند يرجع إلى نحو 1700 قبل الميلاد
هذه مشكلة بالنسبة إلى القوميين الهندوس الذين يشكلون قاعدة دعم مودي الأساسية، فهم يصرون على أن الهند الحديثة مسقط رأس الهندوسية، وأن الحضارة بدأت هناك قبل أن تبدأ في أي مكان آخر بفترة طويلة، ثم انتشرت إلى بقية اليابسة الأوروبية الآسيوية. إلا أن عام 1700 قبل الميلاد كان بعد نحو 200 سنة من نهاية حضارة وادي السند الأصلية، وبعد تدفق المستوطنين الخيالة من آسيا الوسطى
ما لم يكن بالإمكان العثور على أدلة سابقة على وجود خيول في الهند، فإن كتاب النصوص الهندوسية المبكرة يبدو كأنهم ينحدرون، على الأقل جزئياً، من خارج حدود الهند الحديثة. "مودي وأتباعه أميون فيما يتعلق بالتاريخ والثقافة"، كما أخبرني أخيرا مؤرخ هندي يحظى بالاحترام. طلب هذا الشخص عدم ذكر اسمه بسبب عديد من الاغتيالات الأخيرة التي ارتكبها القوميون الهندوس ضد أعداء الدين المتصورين
يجادل المؤرخ بأنه غالبا ما تسعى تفسيرات المطالبين بتنقيح التاريخ الهندي إلى تهميش الأقلية المسلمة الكبيرة في البلاد. على النقيض من ذلك، تضخيم السجل التاريخي في الصين يدور حول تعزيز مزاعم الاستثنائية الصينية وشرعية الحزب الشيوعي السلطوي
ومنذ تولي شي منصبه عام 2012 جعل "التجديد العظيم" للصين هدفه الأساسي في السياسة، وصوَّر رئاسته على أنها استمرار طبيعي للحكم الإمبراطوري القديم. عندما تحدث إلى البرلمان البريطاني عام 2015، أقر تشي بأن هذا البرلمان هو أقدم هيئة من نوعها في العالم، لكنه أثار ضحك جمهوره في المملكة المتحدة بإصراره على أن الصين اخترعت في الواقع مفهوم "الناس أولاً واتباع حكم القانون" منذ نحو أربعة آلاف سنة، في عهد يو الأكبر
لم يكن شي يمزح، على الرغم من عدم وجود دليل واحد ولا حتى قصاصة من الأدلة الأثرية التي تثبت وجود يو الأكبر. فترة حكمه المفترضة تسبق أقدم السجلات المكتوبة في الصين بنحو ألف 1000 سنة
إن وضع يو الأسطوري بوصفه حاكما روض فيضانات الصين - في بعض القصص بمساعدة تنين أصفر وسلحفاة سوداء - يجعله شخصية تاريخية. لكن بالنسبة للحزب الشيوعي، فإن وجود يو باعتباره شخصا حقيقيا يساعد على إضفاء شرعية على الادعاء - الذي يدرّس لكل مواطن منذ الطفولة المبكرة - بأن للصين مسيرة 5000 سنة من التاريخ الثقافي المستمر، ما يجعلها أقدم حضارة غير منقطعة في العالم
في بعض الأحيان قد تبدو هذه المعارك حول العصور القديمة هزلية وغير ذات صلة، لكن في الهند والصين على حد سواء، الميل إلى إعادة كتابة، أو محو، أو اختراع التاريخ يتزايد باستمرار ويزحف أقرب إلى الحاضر. أحد المؤرخين الصينيين يقدم تفسيراً مقلقاً بشكل خاص لهذا التحريف التاريخي لدعم الأهداف السياسية والأيديولوجية للقادة الوطنيين. يقول إنه يشبه تربية الأطفال على "حليب الذئب" – كلما كانت الأمة تعيش على مثل هذا النظام الغذائي المتقلب، زاد احتمال أن تهاجم الآخرين

إضافة تعليق

   





Scroll to top