صحيفة فاينانشال تايمز:ضحايا تلوث المدن المعاصرة أعلى من وفيات الحرب وجرائم القتل بـ 15 مرة

ADSENSE

إذا عُرضت عليك وظيفة لطيفة في دلهي، فهل ستأخذها؟ جدير بالذكر أن هواء العاصمة الهندية ملوث للغاية، لدرجة أنه قد يكلف ساكنها تسع سنوات أقل من متوسط العمر المتوقع، وفقا لتقديرات جامعة شيكاغو
أم هل ستعيش بالقرب من طريق بريكستون في لندن؛ حيث يكون التلوث أعلى عدة مرات من الحدود القانونية الأوروبية المسموح بها؟ قد تتردد، خاصة إذا كنت تعاني الربو، أو كان لديك أطفال صغار
تلوث الهواء - سواء في الأماكن المغلقة أو في الهواء الطلق – حلق عاليا في قائمة جدول الأعمال في المناطق الحضرية
يسهم التعرض للجسيمات الدقيقة في الهواء الملوث في سبعة ملايين حالة وفاة مبكرة في جميع أنحاء العالم سنوياً، غالباً من خلال أمراض القلب أو السكتة الدماغية أو سرطان الرئة، وذلك بحسب ما تشير إليه تقديرات منظمة الصحة العالمية
هذا هو نفس عدد ضحايا التبغ، أو أعلى بـ15 مرة ضعف الوفيات السنوية الأخيرة الناجمة عن الحرب وجرائم القتل مجتمعة
كما يبدو أن تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة يزيد من حالات الإصابة بالخرف، وفقا لبحث أجراه المكتب القومي الأمريكي للبحوث الاقتصادية وآخرون
تحدث الغالبية العظمى من الوفيات الناجمة عن التلوث في البلدان الفقيرة؛ حيث تستخدم عديد من الأسر روث الحيوانات أو الخشب أو الكيروسين أو الفحم للتدفئة أو الطهي. غالباً ما يلعب الرضع والأطفال الصغار، الضعفاء بشكل خاص، بجانب المواقد ساعات بينما تطهو أمهاتهم الطعام
أكبر الملوثات في أوروبا الشرقية هو الفحم، في حين أنها في مدن أوروبا الغربية يغلب عليها أن تكون المركبات التي تعمل بالديزل
الآلاف من سكان لندن ونيويورك وباريس وبكين يموتون قبل الأوان بسبب التلوث. ويعاني الباقي اعتلال الصحة وتدهور نوعية الحياة. مواطنو هذه الأماكن يدفعون الحكومات إلى تحسين جوهم - مع بعض النجاح. أثبتت الأضرار التي لحقت بصحة الأغنياء اليوم
إن ذلك يشكل حافزا أكبر لاتخاذ الإجراءات من الضرر المستقبلي على نطاق الكوكب من جراء تغير المناخ. ومع ذلك، فإن الحلول لكلتا المشكلتين هي نفسها بشكل عام: مزيد من التدوير، وفحم أقل
المدن الكبرى في البلدان النامية، بما في ذلك دلهي والقاهرة، هي أكثر قذارة، ولم تحاول حتى معالجة المشكلة. إذا لم تتمكن هذه المدن من التنظيف، فإن التحضر العالمي الشامل الجاري حاليا ستكون له عواقب مأساوية. المدن المتقدمة، أيضاً، أمامها طريق طويل
في لندن
إيلا كيسي ديبرا، الفتاة التي غالباً ما كانت تمشي إلى المدرسة على طول الطريق الجنوبي الدائري الملوث في لندن، عانت نوبات ربو متكررة بحيث إن والدتها اعتادت على إنعاشها أثناء انتظار سيارة الإسعاف
من عام 2010 حتى عام 2013، دخلت إيلا المستشفى 28 مرة. في عام 2013، بعمر تسعة أعوام، توفيت من أزمة الربو
منذ ذلك الحين، كتب ستيفن هولجيت، خبير التلوث في جامعة ساوثامبتون، تقريراً عن حالة إيلا يجد "ترابطاً مذهلاً" بين أوقات إدخالها إلى قسم الطوارئ في المستشفى والذروات المحلية للتلوث
رأى هولجيت "احتمالاً حقيقياً أنهمن دون المستويات غير القانونية من تلوث الهواء، ما كانت إيلا ستموت". أشقاؤها الناجون يمشون الآن إلى المدرسة عبر أحد المتنزهات
وفاة إيلا تُظهر حالة طارئة. يُسهم تلوث الهواء بأكثر من تسعة آلاف حالة وفاة مبكرة في لندن كل عام، وذلك وفقاً لدراسة أجرتها كلية كينجز في لندن
كل منطقة من المدينة تتجاوز توجيهات منظمة الصحة العالمية من حيث حجم الجزيئات الدقيقة PM2.5 مقياس الجسيمات الدقيقة في الهواء، التي يقل قطرها عن 2.5 مايكرومتر، الذي هو نحو 3 في المائة من سمك الشعرة لدى الإنسان
الخطيئة الأصلية ربما كانت قرار وزير المالية في ذلك الحين، أي جوردون براون عام 2001 بمنح إعفاءات ضريبية للمركبات التي تعمل بالديزل، على أمل الالتزام بالقواعد الأوروبية لخفض انبعاثات الكربون. ما لم يكن معروفاً في ذلك الحين هو كمية الديزل التي تسهم في تلوث الهواء بأكسيد النيتروجين
كشفت فضيحة "ديزلجيت" عام 2015 أن بعض شركات السيارات كانت منذ فترة طويلة تغش في اختبارات الانبعاثات. الاتجاه نحو المواقد التي تعمل بالحطب يُسهم أيضاً في تلوث لندن خلال أشهر الشتاء
لندن الآن مدينة مليئة بالمواطنين المتعلمين والمطلعين جيداً، وهي تتخذ التدابير من أجل هواء أنظف. يجمع الآباء المال لتركيب أجهزة تنقية الهواء في المدارس. الممارسة التقليدية للسيارة التي تقف على بوابة المدرسة والمحرك يعمل، أصبحت مرفوضة اجتماعياً
وهناك دعم لتدابير جديدة جذرية: في أيلول (سبتمبر) الماضي، أطلقت منطقتا إيسلينجتون وهاكني مخططاً سيُسمح بموجبه للمركبات الأنظف فقط بالسير على بعض الطرق المحلية خلال ساعات الذروة
في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قدّم الحي المالي في لندن خططاً لحظر السيارات من السير في نصف طرقه. ثم اعتباراً من الثامن من نيسان (أبريل) المقبل، سيُصبح وسط لندن منطقة انبعاثات منخفضة للغاية
المركبات التي لا تتوافق مع "معايير انبعاثات العوادم الجديدة الأكثر تشددا"، التي يطنطن بها مكتب العمدة بأنها الأكثر تشددا بين المعايير التي تعتمدها أي مدينة في العالم"، ستضطر إلى دفع رسوم للدخول
في عام 2021، ستمتد المنطقة إلى الطريق الشمالي الدائري والطريق الجنوبي الدائري
على الرغم من أن وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية تتشاور حول كيفية إدخال قيود أكثر تشددا فيما يتعلق بوقود التدفئة في المنازل، إلا أن لندن غير متزامنة مع الحكومة المركزية في المملكة المتحدة عندما يتعلق الأمر بالتلوث
يطالب العمدة صادق خان وكثير من زملائه في كل أنحاء البلاد الحكومة بمساعدتهم على إقامة مناطق هواء نظيف، وتشجيع التخلي عن السيارات القديمة، وتقديم موعد الحظر الذي فرضته بريطانيا – المقرر الآن أن يبدأ العمل به عام 2040 – على السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل، بمقدار عقد من الزمن
في ستوكهولم
عندما تملأ سيارتك بالوقود في ستوكهولم، فأنت تقوم بذلك بفضل ارتياد المراحيض التي يقوم بها 100 شخص يومياً: تقوم المدينة بتحويل مياه الصرف الصحي إلى وقود حيوي، يباع بعد ذلك في محطات البنزين المحلية
هناك أمر مزعج؛ لأن الكل يتوقعه، وهو أن النموذج لمدينة نظيفة هو في البلدان الاسكندنافية. تتميز مدينة ستوكهولم بكونها سريعة النمو ومتسعة نسبياً ولديها فصول شتاء باردة طويلة تتطلب كثيرا من التدفئة
في العام الماضي، كانت أقل عاصمة ملوثة في العالم، مرتبطة بمدينة ويلينجتون في نيوزيلندا، وفقا لمنظمة الصحة العالمية. يسبح الناس ويصطادون وسط المدينة
سكان ستوكهولم الذين يهتمون بالبيئة وجَّهوا رأسَ المال عالي التقنية إلى مختبر لحلول مكافحة التلوث، مشيرين بالطريق إلى مدن أخرى متطورة
في منتصف تسعينيات القرن الماضي، أدخلت المدينة حافلة تعمل بالغاز الحيوي
في غضون 20 عامًا، كانت جميع الحافلات الداخلية في المدن تعمل بالغاز الحيوي أو الإيثانول. في عام 2007، بدأت السيارات التي تدخل وسط ستوكهولم في دفع رسوم الازدحام - وبعد ذلك تراجعت نوبات الربو الحاد لدى الأطفال الصغار
الحرارة سلعة ثمينة في ستوكهولم؛ حيث تعيد المدينة استخدام الحرارة الزائدة من متاجر السوبرماركت لتدفئة المنازل. وتأمل في اجتذاب مراكز البيانات، التي تفضل الدول الاسكندنافية، حيث يساعد المناخ على تبريدها، للإقامة في أنحاء المدينة ومشاركة ما لديها من دفء مع الآخرين
في نيويورك
الهواء في نيويورك هو الأقل تلوثاً منذ أن بدأت المدينة مراقبة ذلك عام 2008، كما تقول وزارة الصحة والصحة العقلية في المدينة. في الواقع، يضيف العمدة بيل دي بلازيو:منذ فجر الثورة الصناعية، لم يكن سكان نيويورك قادرين على تنفس هواء على هذه الدرجة من النقاء
بالتأكيد، اتخذت المدينة خطوات واسعة. وقد خفضت محتوى الكبريت من النفط، وتخلصت تدريجيا من زيت التدفئة الثقيل
أيضا، سيارات الديزل التي تبعث على التلوث نادرة هنا. وكما أشارت جمعية السلام الأخضر عام 2016: حصة الديزل من السوق الأمريكية تبلغ نحو 3 في المائة. وتبلغ في المملكة المتحدة نحو 50 في المائة
ومع ذلك، لا يزال هواء المدينة مميتًا. قدرت نيويورك أن الأوزون والجسيمات الدقيقة أسهمت في 2700 حالة "وفاة مبكرة" عام 2013. وعادة ما يتنفس أفقر سكان نيويورك الهواء الأسوأ؛ لأنهم يغلب عليهم العيش في مبان مليئة بالعفونة مع أنظمة تدفئة قديمة أو بالقرب من الطرق المزدحمة أو المصانع القذرة
الأطفال الفقراء أكثر عرضة من الأغنياء لنقلهم إلى أجنحة الطوارئ؛ بسبب المعاناة من نوبات الربو. تلوث الهواء أيضا يتداخل مع قدرتهم على التعلم أو البقاء في مهمة ما، ويقلل من الذكاء لديهم، وفقا لإدوارد أفول، أستاذ الطب السريري في جامعة جنوب كاليفورنيا
تواصل نيويورك جهودها لتحسين البيئة، لكن أمامها طريق طويل. هي مدينة مضغوطة بمعايير الولايات المتحدة، ويبدو أنها مناسبة للمواصلات العامة والدراجات، ومع ذلك فإن مترو الأنفاق مزدحم ومكتظ، وعلى الرغم من أن ركوب الدراجات أصبح أكثر شيوعًا خلال العقد الماضي، إلا أن 2.5 في المائة فقط من المقيمين يذهبون إلى العمل أو المدرسة باستخدام الدراجات
غالبًا ما يقاوم المقيمون اقتراحات لممرات جديدة لاستخدام الدراجات. على سبيل المثال، أرسل المخرج وودي ألان بريدًا إلكترونيًا إلى مجلس الحي السكني في أبر إيست سايد من مانهاتن ليقول إنه في حين أنه يدعم ركوب الدراجات، إلا أنه "مع الأسف، الوضع بدأ بصورة غير منظمة وخرج عن نطاق السيطرة". ومع ذلك، لقد تم وضع ممر للدراجات في شارعه، بغض النظر عن اعتراضه
في باريس
آن هيدالجو، عمدة باريس، اشتراكية ولكنها داعمة للبيئة في القلب. أخبرت صحيفة لو موند في أيلول (سبتمبر) الماضي عند إطلاق كتابها Respirer (فلنتنفس) أكبر تحدٍ اليوم هو التغير المناخي
في منطقة نفوذها، يتعلق هذا التحدي بالدرجة الأولى بالديزل - وهو السبب الرئيس لتلوث الهواء الذي يودي بحياة نحو 2500 شخص سنوياً في باريس الكبرى
تعتزم المدينة حظر المركبات التي تعمل بالديزل بحلول عام 2024 والبنزين بحلول عام 2030
معركة هيدالجو ضد السيارة - خاصة قرارها بإغلاق جزء من الطريق السريع على طول الضفة اليمنى من نهر السين - أطلق صراعا طبقيا مصغرا بين المشاة من متابعي الموضة والفقراء في داخل المدينة، وبين الذين يعتمدون على السيارات في الضواحي. في مجال النقل، ربما يحظى متابعو الموضة بالمستقبل. تتباهى هيدالجو بأن باريس الكبرى أصبحت أكثر نظافة منذ الآن من ذي قبل: فقط 1.3 مليون نسمة من السكان معرضون الآن للهواء الملوث بدرجة كبيرة، بتراجع من ثلاثة ملايين قبل أربع سنوات
باريس المدينة بحد ذاتها – المدينة الواقعة داخل الحزام الدائري، في مقابل ضواحيها الأكثر اكتظاظا بالسكان بكثير، هي في وضع جيد للتوجه نحو حماية البيئة
وسط المدينة صغير جدا إلى درجة أن 40 في المائة من الرحلات داخله تجري في الأصل سيراً على الأقدام. كما أن لديها أفضل وسائل نقل عام من أي مدينة دولية، وفقا لمعهد النقل والتنمية في نيويورك
ضواحي باريس أقل تلقيا بكثير للخدمة، ولكن خلال السنوات القليلة المقبلة، سيقوم جران باري إكسبرس Grand Paris Express - أكبر مشروع للنقل العام في أوروبا - بتقديم عشرات المحطات الجديدة لهذه الضواحي
كذلك تريد هيدالجو تشجيع ركوب الدراجات. حاليا، يتم إجراء 6 في المائة من الرحلات داخل باريس على الدراجات، التي يجب عليها تجنب السائقين الباريسيين العدوانيين. تريد هيدالجو رفع ذلك إلى 15 في المائة بحلول عام 2020
أساءت باريس إدارة سياستها بشأن الدراجات عن طريق المراهنة على أرصفة ثابتة لمشاركة الدراجات في نظام فاليب Vélib، التي أصبحت قديمة المعيار الذهبي الجديد هو "التجول الحر": تستطيع الآن أن تركب دراجة مستأجرة من أي مكان وإيداعها في أي مكان في المدينة. يحلم مسؤولو المدينة بأن تكون باريس يوما ما أول مدينة عالمية كبيرة خالية من السيارات
في بكين
كانت السفارة الأمريكية هي التي قد وضعت نوعية الهواء على الأجندة في بكين. قبل نحو عقد، بدأت السفارة علنا بنشر قراءات من جهاز رصد نوعية الهواء لديها
لاحظ السكان أن هذه القراءات كانت غالبا "ما تتناقض مع مستوى نوعية الهواء الذي تبلغ عنه حكومة المدينة"، كما يلاحظ مايكل جرينستون وباتريك شوارتز من جامعة شيكاغو
تصاعد الشعور بالقلق لدى السكان المحليين في الوقت الذي ساءت فيه نوعية الهواء. بحلول عام 2013، كان متوسط التركيز في بكين (PM2.5) أعلى تسع مرات من المستوى الذي تعتبره منظمة الصحة العالمية مأمونا
كان الآباء يُبقون أطفالهم داخل البيوت، وركبوا أجهزة لتنقية الهواء في البيوت، وكانوا يخططون لتكون عطلاتهم في "أماكن ذات هواء نظيف"، وفقا لتقرير شيكاغو
ربما كانت كارثة الضباب الدخاني في بكين قد بلغت ذروتها في شتاء 2012/2013، حيث كان أكسيد النيتروجين يجول في الجو من معامل حرق الفحم الواقعة في سهل الصين الشمالي
في عام 2013، أطلقت الصين خطة العمل الوطنية للهواء النظيف. أوقفت بناء معامل توليد الكهرباء بحرق الفحم حول بكين، وأجبرت المعامل القائمة على تقليص الانبعاثات. وتم تقليص عدد السيارات على الطرق، وقام المسؤولون حتى "بإخراج المراجل التي تعمل بالفحم واستبدلوا بها أجهزة تدفئة تعمل بالغاز أو الكهرباء"، كما يقول تقرير شيكاغو
مع بعض المساعدة من الاقتصاد المتباطئ، تحسنت نوعية الهواء في الأقاليم. يقول تقرير شيكاغو إن نوعية الهواء هي الآن أفضل 36 في المائة مما كانت عليه عام 2013، وتقدِّر أنه إذا استمرت التحسينات فإن أهل بكين يستطيعون أن يتوقعوا أن يعيشوا 3.3 سنة أكثر مما كانوا عليه في ذلك الحين
منظمة الصحة العالمية تطنطن بتنظيف الهواء في الصين على أنه نموذج للمدن الهندية التي هي الآن أكثر قذارة بكثير
مع ذلك، فإن معدل الوفيات في بكين المرتبط بنسبة PM2.5 نتج عنه 18200 وفاة عام 2016، بحسب تقديرات دراسة من تأليف كمال جيوتي ماجي، من معهد التكنولوجيا الهندي في بومباي، وهناك مخاوف من التراجع الآن، على اعتبار أن الاقتصاد أخذ يتسارع مرة أخرى

 

إضافة تعليق

   





Scroll to top