صحيفة فاينانشال تايمز:مرة أخرى من ألمانيا .. انطلاق شرارة حرب ثقافية عالمية

ADSENSE

منذ الحرب العالمية الثانية، تخصص المثقفون والأدباء الألمان في الحقائق التاريخية المؤلمة. واحدة فقط من تلك الحقائق كان من الصعب جدا على معظم الناس التفكير فيها: احتمال عودة الأفكار اليمينية المتطرفة التي كادت تدمر البلاد، مرة أخرى إلى الساحة السياسية
لم يعد الأمر كذلك. بالنسبة لفولك ريختر، الذي شعر بالخوف من صعود الحركة القومية الجديدة في بلاده، فقد كانت الاستجابة هي مسرحية تبرز صورا متراكبة لزعماء البلد مع صور هائلة لكائنات الزومبي الخضراء التي تأكل لحم البشر 
بعد عرضها على مسرح شاوبونه في برلين، أثارت مسرحية (الخوف) تساؤلا معبرا طرحه أحد شخصيات المسرحية:كيف نحارب أيديولوجية مندثرة تسببت في حدوث حربين عالميتين، وكانت مسؤولة عن توجيههما؟
لم يكن المسرح مجهزا لمواجهة رد الفعل الذي تسببت باستثارته بياتريكس فون ستروتش، زعيمة في حزب البديل من أجل ألمانيا، سعت دونما نجاح إلى تقديم دعوى قضائية ليتم إزالة صورتها من المسرحية. وقالت إن مسرحية (الخوف) هي بمثابة تحريض شبه مكشوف على العنف ضد الحياة وصحة الإنسان 
ثوماس أوسترماير، المدير الفني لمسرح شاوبونه، وجد نفسه فجأة تحت الحصار. تم تلطيخ المسرح بالرسوم الجدارية، وتلقى موظفوه تهديدات بالقتل في رسائل بريد إلكتروني وتعرضت سيارته للتخريب 
قاطع أحد مسؤولي حزب البديل لألمانيا أداء المسرحية من خلال محاولته تصويرها. يقول أوسترماير: كانت فعلا عاصفة لعينة ودامت لأسابيع. مرت لحظات شعرت خلالها بالتوتر الشديد، حتى في حياتي الخاصة. لم أعد أشعر بالأمان أبدا
يتخذ كل من أوسترماير وفون ستورتش مواقف مختلفة تماما بشأن الحرب الثقافية الجديدة في ألمانيا. هذا صراع يضع بعض القامات الرائدة في الأدب الألماني والمسرح والتلفاز في خندق ضد حركة يمينية متطرفة تنمو يوميا في حجمها وثقتها. تقع مسؤولية قيادة الطرف المحافظ على حزب البديل من أجل ألمانيا، وهو حزب شعبوي برز في أعقاب القرار المصيري الذي اتخذته أنجيلا ميركل، في أوج ذروة أزمة اللاجئين في عام 2015، بإبقاء حدود ألمانيا مفتوحة
التدفق الذي أعقب ذلك -أكثر من مليون مهاجر دخلوا البلاد بين عامي 2015 و2016– تسبب في انقسام المجتمع الألماني إلى فريقين متعارضين. رحب الليبراليون بالمهاجرين ترحيبا كبيرا، قائلين إن ألمانيا لديها التزام أخلاقي بمساعدة المحتاجين 
أما المحافظون فقد شعروا بالقلق كون المهاجرين سيتسببون في اكتساح الثقافة الألمانية وإضعاف الهوية الوطنية في البلاد
وصل خط الصدع مباشرة إلى النخبة المثقفة في ألمانيا. في آذار (مارس) من هذا العام، أشعل الروائي الفائز بالجائزة أوي تيلكامب الغضب بين الليبراليين من خلال قوله إن "أكثر من 95 في المائة" من اللاجئين لم يكونوا فارين من الحروب والاضطهاد، بل هم ببساطة كانوا مهاجرين يريدون أن يستفيدوا من دولة الرعاية الاجتماعية في ألمانيا 
وقد غردت دار النشر الخاصة به (سوركامب) عبر "تويتر" منتقدة آراء تيلكامب، وقالت إنه ينبغي ألا يتم الخلط بين آراء تيلكامب وآراء المسؤولين عن دار النشر
سيطر حزب البديل لألمانيا وعمل على تشكيل الحوار، حيث شن حملة شرسة من أجل إغلاق الحدود الألمانية وفرض قيود على الهجرة. أصبح من الواضح بشكل متزايد أن جدول أعماله لا يتوقف عند هذا الحد. حزب البديل لألمانيا يريد شيئا كبيرا للغاية، وهو تمزيق توافق الآراء الثقافي المريح في ألمانيا وتدمير الحلول المفتعلة التي ترتكز على رأي الشعب الألماني بنفسه ورأيه بوطنه 
يقول مارك يونجن، المتحدث الرسمي باسم الحزب حول الشؤون الثقافية:هدفنا هو تحويل المزاج العام السائد في هذه البلاد
يتحدث أوسترماير إلى صحيفة فايننشيال تايمز خلال البروفات النهائية لمسرحية (تاريخ العنف)، وهي مسرحية مقتبسة من رواية متعمقة حول العرق والطبقة الاجتماعية والعنف كتبها الكاتب الفرنسي الشاب المشهور إدوارد لوي 
المكتب غير المرتب للمخرج الذي يبلغ من العمر 49 عاما ولباسه العادي حيث يرتدي قميصا أسود اللون وبنطال جينز أسود وجزمة قصيرة يخفي المكانة الهائلة التي يتسم بها مسرح شاوبونه، الذي تولى إدارته منذ عام 1999 
كونه واحداً من المسارح الخمسة الكبيرة التي تدعمها الدولة في برلين، هو المسرح الأكثر ارتيادا في المدينة، حيث تباع جميع التذاكر لكل مسرحية تُعرض فيه. والفرقة المشهورة فيه تتسم بوجود أسماء ضخمة مثل لارس إيدينجر، الذي لعب دور البطولة في إنتاج أوسترماير الضخم لمسرحيتي هاملت وريتشارد الثالث
يقول المخرج إنه شعر بصدمة كبيرة إزاء النتائج المذهلة التي حققها الحزب في انتخابات البرلمان التي أجريت في أيلول (سبتمبر) الماضي، عندما فاز بنسبة 12.6 في المائة من الأصوات الوطنية ودخل البرلمان للمرة الأولى. يقول:الخطر الأكبر هو أنك سوف تسلم بالأمر الواقع أمام (نجاح الحزب)، لكنني لست مستعدا لتقبل ذلك 
أوسترماير، الذي اشتهر بتفسيراته الجديدة للمسرحيات الكلاسيكية، عمل على تحويل مسرح شاوبونه إلى ذلك النوع من المختبر الاجتماعي الذي يركز بشكل مكثف على صعود اليمين السياسي 
يقع هذا الموضوع في صميم المسرحيات التي يتم إنتاجها في المسرح منذ عرض مسرحية الخوف في خريف عام 2015: واحدة من المسرحيات، (البروفيسور بيرنهاردي) من تأليف آرثر شنيتزلر، تدور حول معاداة السامية في فيينا خلال مطلع القرن، ومسرحية أخرى (العودة إلى رايمس) تستند إلى مذكرات عالم الاجتماع الفرنسي ديديه إيريبون، وتتحدث عن بلدة فرنسية تحَوَّل ولاؤها من الشيوعيين إلى الجبهة الوطنية 
مسرحية الليلة الإيطالية، مسرحية كتبت في عام 1931 من تأليف أودون فون هورفاث حيث ستعرض هذا الخريف، تدور حول الفشل الذريع لليسار السياسي في التصدي لخطر الفاشية المتزايد
يقول أوسترماير إنه "ليس ساذجا جدا ليعتقد أن بإمكانه تغيير أي أمر من الناحية السياسية"، لكنه يعرب عن أمله في أن يستطيع تحفيز "أفراد الطبقة المتوسطة من التيار الرئيس" الذين يشكلون جمهور مسرح شاوبونه من أجل التفكير في الموضوع قليلا. ويقول:هذه الطبقة المتوسطة هي بالضبط الفئة المعرضة لخطر الانجراف إلى اليمين في هذا الصراع الثقافي الذي يجري الآن. لذا ربما يستطيع تغيير آرائهم حول الموضوع
على الجهة المقابلة هنالك مارك يونجن من حزب البديل من أجل ألمانيا. بالنسبة له يمثل أوسترماير كل شيء خاطئ يتم عرضه على المسرح الألماني المعاصر. كانت مسرحية الخوف المعروضة على مسرح شاوبونه "محاولة لإثارة الكراهية" نحو حزب البديل لألمانيا، بحسب ما أخبرني في البرلمان الألماني، ومثالا على صناعة ثقافة مدعومة تستغل أموال دافعي الضرائب للتحريض ضد حزب ديمقراطي منتخب 
بعد فترة قصيرة من العرض الأول لمسرحية الخوف، أضرمت النار في سيارة فون ستورتش. ويدعي يونجن أن مشعلي النار استوحوا الفكرة من مسرحية ريختر، وهو ادعاء يرفضه مسرح شاوبونه
يونجن، الأستاذ الجامعي السابق الذي عمل لسنوات مساعدا للفيلسوف الألماني الشهير بيتر سلوتيرديك، كان واحدا من بين 92 شخصا من الأعضاء الجدد في البرلمان من حزب البديل لألمانيا ممن دخلوا البرلمان الألماني العام الماضي 
منذ ذلك الحين، جعل نصب عينيه هدف التغلب على "الاتجاه اليساري الدولي" المسيطر على المسرح والتلفاز والأفلام الألمانية. يريد اليسار "تصفية ألمانيا والدولة الثقافية الألمانية"، بحسب ما يقول. إذا سادت تلك التوجهات، لن يتبقى أي شيء من هذا البلد
اشتهر حزب البديل لألمانيا بانتقاده الموجه ضد سياسة ميركل في التعامل مع اللاجئين، وهجماته على الإسلام. طموحاته طويلة الأجل تتجاوز ذلك بكثير: فهو يريد تغيير الطريقة التي ينظر بها الألمان إلى ماضيهم. يجادل المنظرون في الحزب منذ فترة طويلة بأن ألمانيا تركز فوق الحد على "الرايخ الثالث" والجرائم والفظائع التي ارتكبها نظام هتلر. العام الماضي، دعا أحد قادة الحزب، بيورن هوكه، إلى "ثورة عكسية تامة" في ثقافة التذكر هذه، وهاجم النصب التذكاري الموجود في وسط برلين الذي يمثل يهود أوروبا الذين لقوا مصرعهم. وقال:الألمان هم الشعب الوحيد في العالم الذي زرع تمثال عار في قلب عاصمة بلاده
كسر هذا الخطاب واحدة من المحرمات الكبيرة في السياسة الألمانية قبل وجود حزب البديل من أجل ألمانيا، قلة من الناس كانت تشكك أصلا في الالتزام الأخلاقي الذي توليــــه ألمانيا للتكفير عن خطايا النازية
حاول المعتدلون في الحزب، لكن دون جدوى، طرد هوكه، لكن آخرين اعتمدوا هذا الموضوع منذ ذلك الحين. قال ألكسندر جاولاند، زعيم حزب البديل من أجل ألمانيا، الشهر الماضي إن هتلر والنازية هم "مجرد جزء من حقبة سيئة على مدى أكثر من 1000 عام من التاريخ الألماني الناجح". وقد اتهمته الجماعات اليهودية بتسخيف الهولوكوست:المحرقة
وفقا ليونجن، ذلك يفوت الفكرة. فالتركيز غير المتوازن على الحقبة الممتدة من عام 1933 إلى عام 1945 جعل الهوية الألمانية خاضعة لسيطرة الشعور بالذنب، بحسب ما يقول. ويقول أيضا:التاريخ الألماني ليس مجرد مقدمة للرايخ الثالث (ألمانيا النازية). ألمانيا فعلت كثيرا للتعامل مع هذه المرحلة المؤسفة من تاريخها، لكن لكيلا نضمحل كأمة، علينا أن نبدأ في تطوير صورة إيجابية عن أنفسنا 
هذه مجرد شعبة واحدة من برنامج الحزب. الحزب مصمم أيضا على محاربة ما يصفه بأنه هيمنة الجناح اليساري فيما بعد عام 1968 على الثقافة الألمانية، وهي هيمنة يصفها بشكل روتيني بأنها versifft، أي قذرة أو ملوثة أو كريهة. في الفترة الأخيرة أثار يونجن عاصفة من خلال قوله إن هدفه هو "إزالة القذارة" عن المشهد الفني الأخضر اليساري 
الثقافة الألمانية، باتجاهاتها التي تناصر التسامح والتنوع، هي "قذرة وملوثة" بشكل خاص، في نظر هانس توماس تيلشنايدر، وهو صوت آخر رائد في حزب البديل لألمانيا حول الشؤون الثقافية 
ويقول: "يتم تصوير اللاجئ على أنه نوع جديد من الأولياء، في حين يتم تصوير الألمان الواثقين من أنفسهم على أنهم شياطين وقرويون ساذجون مغفلون". هناك مشهد يشكل بعبعا بالنسبة إليه، وهو إنتاج حديث للرقصات في بلدة داساو في ألمانيا الشرقية، يصور شباب وفتيات المنطقة وهم يرقصون مع اللاجئين السوريين الصغار، وهو مشهد يرفضه على أساس أنه "تنوع ثقافي على مستوى الهواة". ويقول:هدف المشهد هو إلغاء الاختلاف بيننا وبين الآخر، لكنك لن تستطيع أن تفعل ذلك إلا إذا انفصلتَ عن ثقافتك الوطنية 
بدلا من ذلك، يدافع تيلشنايدر عن أجندة ثقافية محافظة بلا مواربة. ويقول إنه يجب على الألمان أن يعودوا إلى التراث الثقافي المعروف. ويقول: "يجب أن نقدم إنتاجا جديدا لمسرحياتنا، لكنها يجب أن تكون مسرحياتنا، ولابد لها أن تتناول الأمور التي تهمنا: من نحن الألمان؟ ومن أين نأتي؟ وإلى أن نحن ذاهبون؟
يواصل تيلشنايدر بقوله إن المؤلفات الكلاسيكية هي التي تستطيع تقديم أجوبة على الأسئلة المذكورة، وكمثال على ذلك ذكر أسماء ثلاثة أعمال عظيمة من روائع الأدب الألماني، وهي مسرحية "فاوست" (1808) من تأليف جوته، وثلاثية "فالنشتاين" (1799) من تأليف شيلر، ومسرحية "معركة غابة التيوتوبورج" (1808) من تأيف هاينريش فون كلايست، التي تستند إلى اللقاء الملحمي بين الرومان والقبائل الألمانية في السنة التاسعة للميلاد، وكان يُنظر إليها من قبل معاصري كلايست على أنها نداء قوي لحمل السلاح ضد فرنسا
حتى الآن، لا يبدو أن المسارح الألمانية تذهب جماعات إلى مسرحيات كلايست، لكن إذا حكمنا على حزب البديل لألمانيا من خلال هدفه الرامي إلى "تحويل المزاج العام السائد" في ألمانيا، فمن الغريب أنه ناجح في هدفه. الأحزاب الألمانية المحافظة من التيار الرئيس، التي شعرت بالانزعاج من نجاح الحزب في الانتخابات، أخذت تتجه باستمرار نحو اليمين، خصوصا فيما يتعلق بسياسة الهجرة
يقول أوسترماير: "النخب البرجوازية تسعى بنشاط وراء أفكار الجناح اليميني من أجل استعادة الناخبين (من حزب البديل من أجل ألمانيا)". 
لا يبدو أن هذه الاستراتيجية تحقق الهدف منها. في استطلاع حديث للرأي، كانت نسبة التأييد لحزب البديل من أجل ألمانيا هي 17.5 في المائة، الذي كان يقع بالضبط قبل الديمقراطيين الاجتماعيين وبمقدار 12 نقطة فقط خلف كتلة ميركل التي تضم الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي 
قلة من الشخصيات الثقافية تأثرت شخصياً بصعود اليمين الألماني مثل شيرمين لانجوف، المديرة الفنية لمسرح مكسيم جوركي في برلين. في أحدث حالة من الإهانة، طالب أحد أعضاء البرلمان من حزب البديل من أجل ألمانيا بالنظر إلى عقدها 
وكما تقول: هذه مضايقة، لا جدال في ذلك. أي شخص يتحدث بصراحة ضد منظري اليمين الجديد يتعرض للهجوم
لانجوف، وهي طويلة القامة ومهيبة، مع وشم لضربات القلب على أعلى ذراعها، هي شخصية مكروهة من الجناح اليميني الألماني. يمثل مسرح جوركي رؤيتها لبرلين باعتبارها بوتقة عالمية تحتضن الأجانب واللاجئين بحرارة. 
أما بالنسبة إلى اليمين، فهو رمز لكيفية استبدال الهوية الوطنية الألمانية بـ"دولة الهيبيين"، وهي خليط متنافر من التنوع، والحدود المفتوحة، وأعلام قوس قزح
أخلاقيات مسرح جوركي كانت بادية للعيان تماما في الفترة الأخيرة في إنتاج للمسرحية الكلاسيكية "آلة هاملت" من تأليف هاينر مولر، بأداء "مجموعة المنفى"، وهي مجموعة من الممثلين من سورية وفلسطين وأفغانستان الذين يعملون معاً في المسرح منذ عام 2016. ارتدوا ثياباً من الساتان واللفافات الملونة وأقنعة مهرجي الرعب، قاموا بأداء حيل السيرك وتظاهروا بالانتحار على أنغام الموسيقى التصويرية الشرقية الفنية، وتأملوا في الربيع العربي والحرب الأهلية السورية وفي برلين كمدينة ميناء على بحر من الدماء يصل إلى دمشق
تم تصوير شخصية هاملت كأمير دانمركي ولد في مدينة دير الزور السورية وغادر بعد حصار دام 520 يوما قُتل خلاله والده
مع الفرقة المختلطة عرقياً من الممثلين والمخرجين، يشتهر جوركي بتركيزه على تجربة المهاجرين. بالنسبة إلى لانجوف، التي انتقلت إلى ألمانيا قادمة من تركيا في سن التاسعة، ينبغي أن يكون المسرح "منتدى لسرد القصص، وتحديد رؤى جديدة، وروايات جديدة عن المجتمع والتنوع". وكبطلة للفنانين والمخرجين الألمان الأتراك، فهي رائدة فيما يعرف في ألمانيا باسم مسرح ما بعد الهجرة
وقد استهدفت أيضا حزب البديل من أجل ألمانيا مباشرة. نظّم مسرح جوركي أخيراً مسرحيةً لفتت الأنظار إلى أوجه التشابه بين مارك يونجن وجوزيف جوبلز، رئيس الدعاية النازية. يونجن استشاط غضبا. يقول:إنهم يستخدمون المسرح كأداة لجماعات اللوبي المهاجرة والمثيرة للجدل
وقد جعل هذا مسرح جوركي وموقفه من قضايا الهجرة هدفا رئيسا. في عام 2016، قام نشطاء من "حركة الهوية" Identitarian Movement اليمينة المتطرفة بتنظيم "تدخل جمالي" في المسرح، معطلين مناقشة إذاعية حول قضية اللاجئين
في العام الماضي، وخلال مناقشة الميزانية في مجلس الشيوخ في برلين، طالب ديتر نويندورف، عضو البرلمان عن البديل من أجل المانيا، بتخفيضات الإعانات التي تقدمها المدينة إلى مسرح جوركي
وقال: لا يمكنك أن تفسر بشكل معقول للطبقات المتوسطة السائدة السبب وراء تمويل المؤسسات الثقافية ذات الأجندة السياسية المتحيزة من الأموال العامة
بالنسبة لحزب البديل من أجل ألمانيا، جوركي هو مثال ممتاز على التحيز المبني ضمن نظام الإعانات العامة المعقد في ألمانيا. يجادل أناس مثل يونجن بأن المشاريع الثقافية لا تتلقى سوى التمويل إلا إذا كانت تعزز التنوع والمساواة بين الجنسين وأيديولوجية ما بعد الاستعمار. هذا أشبه بالسم في نظر حزب يصف في برنامجه التعددية الثقافية بأنها تهديد خطير للسلم الاجتماعي
الخوف لدى جوركي وغيره من المسارح المدعومة في ألمانيا هو أن النفوذ السياسي المتنامي لحزب البديل من أجل ألمانيا يمكن أن يغير بشكل أساسي طريقة تمويل الفنون. يمكن للحزب أن يحصل قريباً على مقاعد "في جميع المجالس الاستشارية للمؤسسات العامة"، كما تقول لانجوف، والتأثير في هيئات المحلفين التي تمنح المنح للمسارح. وتقول:أنا أسمع من الزملاء والمروجين والشركاء أنهم يشعرون بضغط جديد، الذي آمل أن يستمروا في مقاومته
يخشى البعض في النخبة الفنية الألمانية من أنه قد ينتهي الأمر بألمانيا في طريق بلدان مثل المجر، حيث يضع الوطنيون المتعصبون اليمينيون جدول الأعمال الثقافي بشكل متزايد
كانت لانجوف واحدة من أكثر من 100 من الفنانين والمفكرين الألمان الذين وقعوا هذا الشهر على "إعلان بروكسل"، وهو عريضة تشجب النضال الأيديولوجي ضد الحرية الفنية التي تهدد المشهد الثقافي لدينا، ومعها واحدة من أسس المجتمع
ذكر الموقعون تطورات مزعجة في النمسا وبولندا والمجر، وجميع الدول التي اكتسبت فيها الأحزاب اليمينية السلطة السياسية. وخصوا بالذكر أكاديمية الفنون المجرية ذات النفوذ الكبير والممولة بسخاء التي يتم اختيار أعضائها وفقاً "للولاء الأيديولوجي للدولة". وقالوا:ما هو مقبول فحسب هو يحصل على الدعم العام. نحن نعتقد أن الحكومات يجب أن تخدم الثقافة، وليس العكس
آخرون يفضلون العمل المباشر على تقديم الالتماسات. أحد المدافعين عن منهج أكثر عملية هو مركز الجمال السياسي، المعروف بز دبي إس ZPS، الذي يتخذ من برلين مقراً له، واكتسب مزيجه من فن الأداء والاحتجاج السياسي متابعة كبيرة في ألمانيا
بعد خطاب هوكه الشهير في العام الماضي، قاموا ببناء نسخة طبق الأصل من النصب التذكاري للهولوكوست في برلين خارج منزله في قرية بورنهاجن الصغيرة في شرق ألمانيا. هوكه رفع قضية في المحكمة لإزالته حتى الآن لم يحقق النجاح في ذلك. يقول فيليب روش، رئيس "زد بي إس" ZPS:نجعل الحياة جحيماً بالنسبة إلى الرعاع اليمينيين. ليس للنازيين الحق في الخصوصية، لأنهم ينسحبون هناك للراحة ويستعدون لهجماتهم المقبلة
روش، صانع المشكلات النشط الذي يطلي وجهه بشكل روتيني بطلاء أسود مصنوع مما يصفه بأنه "بقايا آمال ألمانيا المحروقة" ولد في مدينة دريسدن في ألمانيا الشرقية، لكنه نشأ في سويسرا. بعد دراسة الفلسفة السياسية في برلين، أسس "زد بي إس" ZPS في عام 2008 مع مهمة تحقيق الرضا الذاتي لجيلي
قبل النصب التذكاري الصغير، كانت أكثر أعماله شهرة هي "الموتى قادمون"، من عام 2015، حيث دفنت المجموعة اللاجئين الذين غرقوا في البحر الأبيض المتوسط في مقابر إسلامية في برلين. وبعد أيام حاول نشطاؤها شق الطريق خارج مكتب ميركل لإيجاد مكان دفن للمهاجرين القتلى
كان رد فعل البديل من أجل ألمانيا على القضية التي رفعها هوكه ساخطا. وقدم سؤالًا في البرلمان يسأل الحكومة عما إذا كانت قد وافقت على انتهاك "زد بي إس" ZPS لحق هوكه في الخصوصية وعبرت حدود الحرية الفنية. وقال الوزراء إن الأمر متروك للمحاكم وليس لهم لاتخاذ قرار بشأن الأمور التي من هذا القبيل
يقول روش إن المجتمع المدني الألماني ليس لديه "خيار" سوى مكافحة التطرف اليميني، والقتال بشكل مكشوف. ويقول:أنا لا أهتم كثيراً بسياسات الاسترضاء، على غرار تشامبرلين. يجب أن نكون أكثر عدوانية في الطريقة التي نتعامل بها مع حراك البديل من أجل ألمانيا

إضافة تعليق

   





Scroll to top