مذكرات الصحافي عادل الزبيري: الراوي لأيام من عز الإيديولوجيا

ADSENSE

الوطن24:

سيلتقي قراء ومتصفحي " الوطن24" طيلة شهر رمضان مع مذكرات الصحافي المغربي عادل الزبيري التي خص بها الموقع وهي مجموعة في كتاب بعنوان" زمن العرفان":

الراوي لأيام من عز الإيديولوجيا

يلوح بيديه بين جملة وأخرى، تبدو عينيه متخفية وراء نظارته الطبية البيضاء والشفافة. طالما رمى بروشيتة الحكيم للعلاج من قلة البصر. دائم الحديث عن بصيرته.  ويضرب مثل "طه حسين" بأيامه وإبداعاته. كثير في حبه لأحاديث الحياة وشجون الحريات العامة وحرية التعبير، ويستل من ذاكرته قصصا عن حرية التعبير في أوروبا، وبداياتها مع الكازيتات الفرنسية. ولا يضغط على طلبته كثيرا، فسرعان ما تنتهي حصته الدراسية، ولتعم القاعة أجواء من تنفس الصعداء.

 

"الثنائية القطبية"، أحد المصطلحات التي يلوح بها في الحصة مرات تلو أخر، ولا يمل من الكلام عن فترة صدام الإيديولوجيات، وأيام الاتحاد السوفياتي خلال صراع المنجل والمطرقة مع رياح الغرب الليبرالية، وأزمة "خليج الخنازير"، ويمر في قصصه على الداهية كيسنجر. ولا زال ينظر لأيام جمال عبد الناصر بافتخار لم يجد له بديلا في انكسارات اليوم، لعمري أراه ناصريا مغربيا حتى الثمالة، ويستحضر حرب 6 أكتوبر، كلما ورد ذكرها إلا وعض على شفته السفلى تذمرا من أيام  السادات.

 

وطيلة السنة، لا تفارقه جاكيطته الخضراء، وحقيبته الجلدية السوداء، مشيته فيها تمهل كيلا يميل توازن الشرق والـغرب، أنيق في هندامه. حليق اللحية كل صباح، يعتني بشاربه الذي غزاه البياض المعلن عن تقدم في السن، استعدادا للانضمام إلى صفوف الجيش الأحمر فور عودة لينين أو ستالين أو خروتشوف من قبورهم لاعتلاء الخطابة في ساحات موسكو.

 

يحفظ سنوات الصراع الإيديولوجي منذ مطلع القرن المنصرف، كحفظ شباب اليوم لمطربي هذا العصر وراقصاته. لم يره طلبته قط ينقل تاريخا من كناش، فهو الحفاظ من ذاكرته الحادة والمتأهبة، خمرته السياسة والصراع رغم أن الإيديولوجيات انهارت ورحلت عن ركح المعارك المعاصرة.

 

ويرفع صوته كلما أتى في حديثه على الشرق وإيديولوجياته، والأب ماركس، والأشرار الأمريكان، والرفاق الروس، وينتقد هيليود كثيرا في فنونها وكيف تصور حرب التحرير في فيتنام، وتستمر الحصة في العزف على سمفونية القطبية الثنائية مع ربيع براغ، وثورة القرنفل، والانهيار مع الفاشل غورباتشوف.

 

نظارته تنتقل من اليمنى لليسرى قبل أن تستوي لهنيهات على عينيه. يرسم لطلبته مجسما في فضاء لصراع ما كانوا من قبل شهودا عليه، إلا أن أستاذ الطلبة في الفصل في الطابق الثاني من بناية المعهد العالي للإعلام والاتصال، كنا هنالك ليسجل لهم التاريخ، ليكون الراوي لهم، لعطش معرفة ما جرى هنالك.

 

وتمارس وجوه طلبته تأملات مفتوحة السيناريوهات في المشهد المتكرر كل صباح في وجوم، ومطاردة لعقارب الساعة الخاملة الرافضة أن تضرب منتصف النهار. كنت أخط سطورا فارغة لأناور الأستاذ، في كتابة بالأبيض على الدفتر لمعلومات قيمة جدا، فمن غالبه النوم في الفصل، وكنت منهم، لا يجدون مفرا من الاستمرار في الإنصات للحكواتي الأستاذ.

 

وفي الفصل، من كان ينهمك في رقن سالة قصيرة لصديقته أو صديقه، ومن كانت تلاعب شتائل شعرها الأشقر أو الأسود، ومن سرحت خلف الزجاج، تسافر بعيدا تعيد ترتيب ما جرى خلال الساعات الماضية، وهنالك من انهمك في إعداد واجب منزلي لمادة دراسية في معهد الصحافة الحكومي، لرجل أو امرأة من أسرة التدريس تماس تعذيبا ممنهجا ضد الطلبة الجامعيين لتثبت لهم أنها أستاذة أو يثبت هو أنه الأستاذ، وليبقى الطلبة في نظر الملقن مجرد مريدين في القسم لا حول ولا قوة لهم إلا بقدرة المعلم الأول.

 

فلدى محدثي، راوي أيام العز والإيديولجية، كنت أجد أجزاء من التاريخ السياسي العالمي المعاصر، الذي أحفظ كثيرا من تفاصيله من خلال كتب التاريخ التي التهمتها خلال المرحلة الدراسية الثانوية، أو من خلال متابعاتي شبه اليومية على شاشة التلفزيوني في منزل الوالدين في طنجة للبرامج الوثائقية العالمية التي تروي ما جرى خلال النصف الأول من القرن العشرين من حربين اثنتين كونتين دمرتا كل من كان فيهما طرفا، والحرب الباردة التي قسمة الكرة الأرضية إلى معسكرين اثنين، شرقي وغربي، خلال النصف الثاني من القرن الماضي.

 

وفي بعض الحصص الدراسية مع الراوي الشهير في معهد الصحافة في زمن العرفان، ينتابني إحساس أنه يعرف أنه يصير بقصصه صعب الفهم، ليبدأ في البحث عن مخارج لإنهاء الدرس أو للتغيب لكي لا تكون حصصه جلسات للتعذيب الممنهج ضد الطلبة، الذين لا يتجاوز عددهم في القسم، الرقم عشرين، إلا أنهم بكامل الاختيارية يعيشون على أمل انتهاء السنة وانتهاء رحلة روايات القرن الماضي.

 

 

 

 

إضافة تعليق

   





Scroll to top