مذكرات الصحافي عادل الزبيري: سجين على الورق

ADSENSE

الوطن24:

سيلتقي قراء ومتصفحي " الوطن24" طيلة شهر رمضان مع مذكرات الصحافي المغربي عادل الزبيري التي خص بها الموقع وهي مجموعة في كتاب بعنوان" زمن العرفان":

 

 

سجين على الورق

إلى الراحل محمد قطين،

كانت الفكرة صغيرة جدا، وبدأت تكبر مع تتالي الأيام الدراسية خلال السنة الرابعة من الدراسة في معهد الصحافة الحكومي في مدينة العرفان في الرباط، ومعها يرتفع صوت السؤال الداخلي، هل يمكن إنجاز بحث تخرج عن تجربة المصالحة السياسية مع الذات المغربية ومع سنوات الرصاص التي خيمت سحبا داكنة اللون على سماء الوطن، شريطة تحويل المادة إلى منتوج تلفزيوني مصور من نافذة الوثائقي التلفزيوني، بالرغم من ضعف البنيات التحتية للعمل التلفزيوني في معهد الصحافة.

بصراحة خلال الدراسة في معهد الصحافة الحكومي، اقتربنا كثيرا من الأصناف التلفزيونية إلا أن الجانب النظري ظل المهمين في مقابل تمرس تمريني تطبيقي ظل محدودا بسبب سوء البرمجة من قبل ما تسمى بمديرية الدراسات في المعهد، وتوزيع حصص مواد التخصص الصحافية طيلة السنة، حيث الهيمنة للمواد الدراسية المحسوبة على الثقافة العامة، إلا أن الإرادة كانت سلاحا لإخراج الفكرة للوجود، وتشجيع أستاذي في مادة التلفزيون، الذي تحول في السنة الرابعة للدراسة، في معهد الإعلام والاتصال، إلى مدير للدراسات، وإلى صديق عزيز بعد التخرج.

فالشباب المغربي الذي قضى بكرة حياته مجهول المصير أو مختطفا أو سجينا في أفضل الحالات، تعرف عائلته مكان وجوده، كانوا شبابا في الجامعة أو الثانوية أو في منصب مهني يبنون حياتهم، كانوا مناضلين ضد تيار الدولة الرسمي في تلك المرحلة من تاريخ المغرب، ففي تلك المرحلة تكهربت الحياة السياسية إلى أقصى درجة، حتى بلغ التوتر مداه مع محاولتي انقلابي 1971 و1972، على عهد الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، إلا أن ما بعد هاذين الانقلابين سيكون سوادا حتى على من ناضل من أجل "الخبز"، ولترسيخ الحريات العامة، وفق التسمية المتعارف عليها.

ولتنطلق مرحلة من تاريخ المغرب المعاصر والحديث، سميت تعارفا، ما بين المنتمين للعائلة الحقوقية المغربية، بسنوات الجمر والرصاص، ونبتت كالفطر في الظل وغياب الشمس، معتقلات سرية لجمع من يتم اختطافهم واعتقالهم للتعذيب، وصنوف الإهانة للذات الإنسانية، والبحث عن القهر والدونية، وفي نهاية المطاف، عقد أو اثنين وراء الشمس في معتقلات ربما ما عرف هذا الوطن شبيها لها من قبل، في ما مضى من التاريخ، وأتى السجن أو الاعتقال عقب محاكمة هي أشبه "بمسرحية هزلية"، وإكراه على التوقيع على "محاضر شاهدة بزور".

فكان تسجيل للحظات لمجموعة من الذين اعتقلوا وقضوا سنوات في الاعتقال السياسي، وهنا بدأت مسيرة السباحة ضد تيار الفكرة الجريئة، ووسيلة العمل المناوئة، في بعض الأحيان، والمصالحة في أحيان أخر، وأولا كان يجب القراءة والإطلاع بشكل متجدد عن المرحلة ومشاكلها وخصوصياتها، فرافقتني في ليال طويلة كتب ومذكرات معتقلين ومعتقلات سابقة، صحيح أن لي سوابق في قراءات المرحلة السياسية، إلا أن قراءة أدب السجون حولتني لسجين على الورق.

فقرأت قصائد تازمامارت، التي حفرها المختطفون فوق جدران زنازنهم، ورافقت نزلاء أكدز في طابور الانتظار للخروج إلى هذا العالم، للتحدث للموجودين هنا فوق هذه الأرض عن ما جرى لهم، وزرعت ورود الأمل مع أصحاب قلعة مكونة بزغاريد تلك الجبال المغربية الأصيلة التي حولوها إلى مقبرة للشباب.

وتتالى الصور على الشريط الوثائقي، الذي حمل اسم "مصالحة الأمس وإنصاف الجراح"، وحصل على تنويه من إدارة المعهد، وحمل صفة أول وثيقة تلفزيونية عالجت في المغرب، سنوات الرصاص، ووثقت للضحايا بعد أن عادوا من سفرهم الطويل، وبقي الوثائقي حبيس أصوار المعهد لغياب ثقافة التشجيع الخارجية أو العمل على توزيعه على العالم الخارجي، ليتحول الوثائقي بدوره من شهادة بالصوت والصورة إلى شريط معتقل لا يغادر أسوار المعهد العالي للإعلام والاتصال.

مرت ساعات العمل على الوثائقي بانتظاراتها لأني لم أكن أعلم مسبقا طبيعة العمل النهائي، إلا أن الدعم المعني للأستاذ المشرف، وتشجيع المرافقين من المؤطرين في قسم التلفزيون في المعهد، من جنود الخفاء، تركني أمتلك بطارية صالحة للاستعمال لنهاية الرحلة، لأسلم الوثائقي ليتم تقييمه، ومن باب العرفان الجميل لرجل فارق الدنيا وكان صديقا عزيزا، أعتذر لمن لم أذكر أسماءهم، لأني قررت الحديث بأسماء الراحلين عنا، فشكر جزيل وموصول من الدنيا إلى الآخرة لمحمد قطين، مصور تلفزيوني في المعهد، والذي سرقته الموت بابتسامته العريضة، بعد أن كان وراء صناعة صورة الوثائقي الذي حصلت بموجبه على شهادة التخرج الجامعية من معهد الصحافة في الرباط.

 

إضافة تعليق

   





Scroll to top