وهبي يكتب : مشروع قانون العدل العسكري وسؤال الاختصاص النوعي

ADSENSE

بقلم : عبد اللطيف وهبي: نائب رئيس مجلس النواب

محام بهيأة الرباط

على هامش شروع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب في مناقشة مشروع قانون رقم 108/13 المتعلق بالقضاء العسكري، أبسط أمام القراء الكرام ومختلف القانونيين والحقوقيين والمتتبعين والمعنيين، مجموعة أفكار وملاحظات حول جانب الاختصاص النوعي  في هذه المحكمة كما نص عليها هذا المشروع ضمن  جزء أول من سلسلة أجزاء مستقبلية سأتناول عبرها جوانب أخرى من هذا القانون، كمساهمة متواضعة في إغناء النقاش القانوني والعمومي حول الموضوع.

تشكل مسألة الاختصاص من أهم وأدق و أخطر الجوانب في موضوع المحكمة العسكرية، فالمبدأ الذي لا خلاف حقوقي حوله هو حتمية إلغاء المحكمة العسكرية أو على الاقل تحويلها من محكمة استثنائية إلى محكمة متخصصة، والتخصص هنا يستدعي التعامل معه بنوع من الاختزال والدقة حتى لا يقع التحايل وتحويل الخاص إلى العام، لذلك يجب تحديد مفهوم التخصص هل هو تخصص مرتبط بطبيعة الشخص وصفته العسكرية؟ أم هو اختصاص مرتبط بطبيعة الجرائم ونوعها؟ وكلاهما يتقاطعان، فالعسكري يمكن أن يرتكب جرائم بصفته مواطنا عاديا ينتقل من المجال العسكري على المستوى الجنائي إلى المجال المدني، أي أن العسكري يمكن أن يرتكب جرائم الحق العام كغيره من المواطنين، وبالمقابل يمكن للمدني أن يرتكب جرائم تدخل في المجال العسكري وخاصة أثناء الحرب، وفي بعض الأحيان يكون الجهاز القضائي أمام جريمة مركبة يتداخل فيها العسكري بالمدني.

إن قدرة التحول في بناء مؤسسة قضائية عسكرية كخيار رسمي يسعى نحو خلق محكمة متخصصة، يفترض فيها ضبط الاختصاص بنوع من الدقة القانونية، وبغض النظر عن ما نص عليه الرأي الاستشاري للمجلس الوطني لحقوق الانسان، فإنه يتعين تحديد مفهوم الاختصاص بين طبيعة الشخص هل هو مذنب أم عسكري، وحتى طبيعة الجرائم وتنازعها في إطار المشروع المقدم من طرف الحكومة أمام البرلمان وهو المشروع رقم 108/13 المتعلق بالقضاء العسكري الذي حاول أن يعالج مند فصوله الأولى مسألة الاختصاص.

 ففي المادة الأولى حاول المشرع أن ينشأ حكما فاصلا بوصفه للمحكمة بأنها محكمة متخصصة، واعتبر أن هذا التخصص هو المبدأ العام الذي لا يلغي حق هذه المحكمة بإعمال القانون العام، خاصة القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، دون أن نغفل مبدأ تقديم الخاص عن العام، وحاول هذا القانون في مادته 3 أن يستند عن الاختصاص النوعي كمنطلق لتحديد مفهوم التخصص، إذ سيلاحظ أنه حدد عدة جرائم كحالة نوعية تمنح لهذه المحكمة اختصاص البث فيها، ونص على صفة العسكريين وشبه العسكريين وأسرى الحرب كاختصاص مبني على الوظيفة، وأضاف إليهم في نفس المادة العسكريين الجدد والمنخرطين والمسرحين، بشرط أن يكونوا رهن الإشارة والاحتياط، غير أن هؤلاء الآخرين لا تدخل جرائمهم ضمن مجال اختصاص المحكمة العسكرية إلا إذا كانت جرائمهم مقرونة بجريمة العصيان.

 إن هذا الاختصاص المرتبط بالوظيفة العسكرية والذي له علاقة بالمجال العسكري، ظل يلامس المجال المدني حينما أدخل في الاختصاص المسرحين والمستدعين والموضوعين رهن الإشارة، وهم في حقيقة الأمر مدنيون بالأصل وعسكريون بالاستثناء،.

 ولكن يبدو أن المشرع حاول قدر المستطاع أن يظل في المجال العسكري، غير أنه في فقرته الرابعة من نفس المادة أضاف جملة يمكن أن تلغي كل الحدود، ذلك أنه في الفقرة الرابعة أدخل في الاختصاص عبارة "إذا نص القانون صراحة على ذلك"، وبالتالي هل يمكن اعتبار هذا إمكانية خلق نصوص قانونية مستقبلا تلغي الحدود الموضوعة وفق هذا القانون الذي يحدد الاختصاص في الجيش؟ أم أنه يجب ربط هذه الفقرة بالمادة 16 وما يليها إلى المادة 22 وإجراء بحث عميق في ظل الترسانة القانونية الوطنية منذ بداية التشريع إلى يومنا هذا، حتى لا نفاجئ بوجود قوانين مغمورة ينفخ فيها الروح لتحول المحكمة العسكرية من محكمة متخصصة إلى محكمة استثنائية مرة أخرى؟.

ولكن دعونا ننتقل إلى الاختصاص النوعي المرتبط بنوع الجريمة وخطورته، بحيث يمكن أن يطال العسكري مثل المدني، لكونه يساءل الجريمة ويغض الطرف عن مرتكبي الفعل والجرائم القريبة من المجال العسكري والتي غالبا ما يتورط فيها مدنيون، إما لأسباب سياسية أو غيرها، ورغم أن المادة 3 جاءت ممزوجة بهذا التخوف، فإنها ربطت حالة الاختصاص النوعي بداية بحالة الحرب، وأقرنتها بأفعال ضد مؤسسات الدولة والأشخاص والأموال، كما أضافت إليها شرط ارتكابها لفائدة العدو، وأضافت شرطا بديلا عن هذا الشرط الأخير، وهو التأثير عن القوات المسلحة، وبالتالي هذا الوصف للفعل الجرمي يتسم بنوع من التوسع المخيف، الذي قد يخل بمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ويبقى التقييم عن مدى تأثير هذه الأفعال على معنويات الجيش، للسلطة التقديرية للقضاء دون غيره، وبقراءتنا للفقرة  3 من المادة 3 فإنها تشترط توفر حالة الحرب أي أنها تحيلنا على الفصل 49 من الدستور الذي ينص ضمن مقتضياته في ما يخص اختصاص مجلس الوزراء على إشهار الحرب، وما هو متوافق عليه دوليا فإن الدولة التي تريد شن الحرب على دولة أخرى، عليها أن تعلن ذلك رسميا وفق إجراءاتها المسطرية الداخلية، بل أن هذه الحالة يمكن أن تتقاطع مع ما نص عليه الفصل 59 من الدستور الذي تكون فيه حوزة التراب الوطني مهددة، مما يجعل الاختصاص يعود للمحكمة العسكرية، غير أننا نعتقد أن حالة الحرب يجب إختزالها في ما نص عليه الفصل 49 من الدستور والذي يعقد الاختصاص للمحكمة العسكرية فيما يخص بعض الجرائم المرتبطة بحالة الحرب.

غير أن هذا المشروع سيعطى لمفهوم التخصص _في نفس المادة 3 _ مفهوما نوعيا جديدا يغيب فيه عنصر طبيعة الوظيفة، لنصبح أمام محكمة متخصصة نوعيا، إذ في الفقرة الثالثة أضيفت جريمة الإعداد لتغيير النظام أو الاستيلاء على جزء من التراب الوطني، إذا ما اقترنت باستعمال السلاح، وهنا يثار السؤال مرة أخرى، هل نحن  من خلال هذه الوضعية في حالة حرب؟ أي أننا في إطار مقتضيات الفصل 49 من الدستور؟ أم لأنه تمت الإشارة إلى التراب الوطني فإننا نكون بذلك في إطار الفصل 59 من الدستور؟، وحتى نكون واضحين، هل فقط حالة الحرب هي التي تمنح الاختصاص للمحكمة العسكرية أي الفصل 49 من الدستور؟ أم كذلك حالة الاستثناء وفقا للفصل 59 من الدستور؟، غير أنه وفقا لنفس الفصل الذي ينص في تفاصيله على استمرار مؤسسة رئيس الحكومة والبرلمان في مهامهم واستمرار الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور وفقا لنفس الفصل، فإن الجرائم المرتكبة التي يعود اختصاصها إلى المحكمة العسكرية أثناء حالة الحرب لا تنطبق على حالة الاستثناء، لأنه من الضمانات الأساسية المنصوص عليها في المادة 59 من الدستور  تكمن في إحالة المتهمين على المحاكم العادية وقضاتهم الطبيعيين، وإذا تمت الإحالة على المحكمة العسكرية في حالة الاستثناء المنصوص عليها في الفصل 59 ستحول المحكمة آنذاك من محكمة متخصصة إلى محكمة استثنائية في ظروف استثنائية، ولأنه يجب التقيد في الاجتهاد عندما نكون أمام المساس بالحقوق الأساسية،  وكما يمنع التوسع في الاجتهاد أمام ضمانات شروط المحاكمة العدالة إلا عندما يكون التوسع في ما هو مصلحة للماثل أمام القضاء .

إن من هذه الجرائم التي منح الاختصاص فيها لهذه المحكمة، هي الجرائم الإلكترونية، ويبدو من خلال الصيغة أنها جرائم تعود بالاختصاص للمحكمة العسكرية سواء كانت في حالة الحرب أو حالة السلم والحقيقة أنه يمكن أن نتفهم أنه في حالة الحرب يمكن أن يعود الاختصاص للمحاكم العسكرية، ولكن في حالة السلم وحتى نستمر في إطار محكمة متخصصة فإن الاختصاص يجب أن يعود إلى المحاكم العادية، وهذا لا يمنع أن نحيل إجراءات اختصاص التمهيدي وأعمال الضابطة القضائية إلى الجهة المدنية أو العسكرية،  ولكن أن تستمر بشكلها المطلق فإن هذا يعيدنا إلى المحكمة الاستثنائية وليس المتخصصة.

إن هذه الملاحظات القانونية لا يمكنها أن تغيب علينا أن المشرع حاول التخفيف من هذا الاختصاص النوعي، ذلك أنه نص في المادة 4 على بعض الاستثناءات، حيث أخرج من اختصاص المحكمة العسكرية جرائم الحق العام المرتكبة من طرف العسكريين والجرائم المرتكبة أثناء ممارسة اختصاصات الشرطة القضائية، كما منع الإحالة على المحكمة العسكرية للأحداث دون السن 18 كيفما كانت طبيعة الجرائم المرتكبة من طرفهم. وهذه مسألة جد ايجابية وكذلك المدنيين العاملين في المجال العسكري.

 إن هذه الإشارات لما لها من إيجابياتها تظل متواضعة، وأن الاختصاص النوعي للمحكمة العسكرية يظل إحدى المجالات التي يتعين إعمال الاجتهادات القضائية للتقليص منه بشكل جريء وشجاع حتى تساهم في تحويل هذه المحكمة فعلا من محكمة استثنائية إلى محكمة متخصصة.

إن التقاطعات التي تعرفها حالة الحرب بحالة السلم، والصفة المدنية للصفة العسكرية وتضاربها بالجرائم ذات توجه الحق العام وذات التوجه العسكري، يجعل وجود حالة تنازع الاختصاص قضية طبيعية، بل وملحة كذلك، ورغم أن  المشرع حاول خلق بعض القنوات القانونية لإيجاد حلول قبلية لحالات محتملة الحدوث، ورغم إيجابية ذلك فإن الأجوبة التي قدمها المشرع حول تنازع الاختصاص سيعرف نفسه مجموعة من المشاكل.

 وهكذا قام بإعمال عنصر العقوبة كسند للفصل في مسالة الاختصاص، إذ نص في مادته السابعة على أنه في حالة متابعة متهم على احتمال ارتكاب  جريمتين إحداهما تدخل في مجال الاختصاص المدني، والثانية تدخل في مجال الاختصاص العسكري، فإن الاختصاص يعود إلى المحكمة ذات الاختصاص في الجريمة الأشد عقوبة، ويلاحظ بداية أن المادة نصت على كلمة "شخص" وهي كلمة قد تكون لها دلالة مدنية أو عسكرية، أي تجاوزنا الاختصاص المبني على الوظيفة  إلى الاختصاص العام، ولكن بشكل مطلق، وإذا أضفنا لهذه الملاحظة أن هذه المادة تقرر الإحالة بناءاً على طبيعة العقوبة وليس على قرائن بارتكاب الفعل من عدمه، يجعلنا نطعن في مبدأ قرينة البراءة والتي هي من شروط المحاكمة العادلة، خاصة وأن سلطة المتابعة التي يملكها الخصم وهي النيابة العامة يمنحه سلطة أقوى في تحديد المحكمة التي يرتئيها لإحالة المتهم على هذه الجهة القضائية أو تلك، بإضافة فصل جنائي ينص على عقوبة أشد، وذلك طبعا بإعمال سلطة الملائمة التي هي سلطة شبه مطلقة بين يدي النيابة العامة، والتي كان يجب أن تكون لفائدة المتهم وليس لفائدة الإحالة على هذه المحكمة أو تلك، وهذا اخلال كبير في التوازن المفترض أن يكون بين أطراف الدعوى الجنائية أي بين المتهم والنيابة العامة مؤكدين أن كلا الطرفين لهم الحق في مناقشة مسألة الاختصاص في جميع مراحل الدعوى بما فيها أمام محكمة النقض.

 وحيث أن المشرع في هته الحالة يكون قد انحاز في مسألة الاختصاص إلى المحكمة العسكرية وما يؤكد ذلك أنه في الفقرة 3 من المادة 7 اعتبر في حالة توازن العقوبة في الجريمتين فإن الاختصاص يعود للمحكمة العسكرية، وهو عنصر يقوي من سلطة هذه المحكمة، كما يعود لها الاختصاص إذا اقترنت إحدى الجرائم بجريمة الفرار من الجندية، و هنا يثور السؤال مرة أخرى، هل نحن نشرع للمدني أم للعسكري؟ وهل في حالة السلم أو في حالة الحرب؟ علما أن المحكمة العسكرية لها الاختصاص في الحثمي في حالة المساواة في العقوبة عند اقترانها بالفرار من الجندية، وبالمقابل ستصبح المحكمة العادية ذات اختصاص عندما نكون أمام جريمة مرتبطة بالمجال العسكري، كجريمة من الدرجة الثانية، فانقلب المبدأ وأصبح الأصل هو المحكمة العسكرية و الاستثناء هي المحكمة المدنية، ويتأكد ذلك عند قراءتنا للمادة الثامنة، حيث نصت في فقرتها الثانية أنه عندما يكون الارتباط بين المتهمين يؤجل البث في القضية أمام المحكمة العادية إلى حين بث المحكمة العسكرية، و هذا الإبداع الغريب يناقض مبدأ قرينة البراءة و مبدأ الفورية، و تصبح المحكمة العسكرية جهاز إدانة لمن يتابع أمام المحكمة العادية لما لها من انعكاس في حكمها بالإدانة على استقلالية القرار القضائي أدبيا و معنويا في مواجهة الشخص المؤجلة قضيته، و لست أدري بأي حق يتم تأجيل البث في قضية بواسطة قضية أخرى، فالجنائي يوقف المدني كمبدأ عام، أما الجنائي فليس له أي سلطة على قضية جنائية أخرى إلا في ما يهم أسبقية البث، وهذه الوضعية تجعل المحكمة العادية في حالة التبعية للمحكمة العسكرية.

إن هذا النقاش سيعرف نوعا من التعقيد عند قراءة المادة العاشرة من هذا القانون، والتي نصت على أن الأشخاص الغير العسكريين الذين يرتكبون جرائم منصوص عليها في هذا القانون دون غيره، يعاقبون وفقا له، وهنا يرد سؤال عريض مفاده هل هؤلاء الأشخاص الذين هم مدنيون بطبيعتهم حسب النص سيعاقبون بجرائم عسكرية؟ وأمام أية محاكم مدنية أم عسكرية؟ خاصة و أن الفقرة 4 من المادة 3 نصت من الناحية النوعية على أن الجرائم التي يعود فيها الاختصاص للمحكمة العسكرية هي تلك التي نص عليها القانون صراحة عن ذلك، وإذا ربطنا الفقرة 4 من المادة 3 للباب الأول بالمادة 10 في الباب الثاني يجعل جميع الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون يعود فيها الاختصاص للمحكمة العسكرية، وهذه الحالة تجعلنا لسوء الحظ أمام محكمة استثنائية وليست متخصصة.

وفي هذا السياق يتبين أن هذا المشروع دخل في تضاربات حول مسألة الاختصاص، جعلت منه قانونا مطاطيا قابل للتمدد والانقباض حسب الظروف و بحسب الأوضاع وطبيعة الجريمة وطبيعة الأشخاص، وهذا لا يليق بمحكمة وصفناها مند الوهلة الأولى بأنها محكمة متخصصة.

          

إضافة تعليق

   





Scroll to top