النضال الأمازيغي: محاولة للفهم

ADSENSE

تعتبر القضية الأمازيغية إشكالا حقيقيا بالنسبة للبعض, فقد أدت إلى ظهور بوادر أزمة حقيقية في الآونة الأخيرة جعلت بعض العناصر الأمازيغ يظهرون ولاءهم للصهاينة الغاصبين, و يولون الأدبار للعرب, و أدت إلى إعادة بروز العنصرية العربية تجاه الأمازيغ كذلك, فكان لابد علينا من إبداء الرأي الذي نعتمده في النضال, و كذلك محاولة تحسيس العنصريين من كلا الجانبين بضرورة التخلي عن الفكر الإقصائي مع التشبث بالمطالب المشروعة لكلا الجانبين.

و تعود تفاصيل القضية حسب المعطيات التاريخية المتوفرة إلى زمن دخول العرب إلى شمال إفريقيا حيث كان الأمازيغ ينعمون بهدوء تام, حين باغتتهم جيوش العرب على حين غفلة و هم لاهون, فقتلوا المقاومين من الرجال و النساء, و سبوا الجميلات منهن و أخذوا الأطفال غلمانا لخدمتهم و عاثوا في الأرض فسادا, فتراموا على الأراضي و الأملاك وأخذوا من المنازل ما بني بإتقان و جمعوا من الأموال مبالغ كثيرة و أرسلوها إلى خلفاءهم بالمشرق مع الشقراوات من النساء بلغ عددهن المائة ألف حسب الرسائل المتبادلة بين المرسِل و المرسَل إليه.

فأخذوا أموال شمال إفريقيا و أرسلوها إلى خلفاءهم و أمرائهم بالمشرق, و قضوا بذلك على الإقتصاد الأمازيغي و استنزفوا الخيرات, كل هذا حدث و لم يعلنوا بعد عن سبب هذه الهجمة الشرسة التي قادتهم بشكل وحشي للقضاء على كل من يسأل أو يقاوم. حدث القتل و الدمار, و خربوا المباني و الديار, و لم يعلم الأمازيغ بعد سبب هذا الإرهاب الذي مورس في حقهم , فعلى الرغم من الدروس المحرفة التي درّسونا إياها في المدارس, و حصل البعض منا على شواهد عليا في تخصصاتها, منا من يتبجح بالإجازة في التاريخ و منا من يفخر بالماجيستر أو الدكتوراء, و كلنا يدرك و يعلم علم اليقين أن تلك الشهادة ما هي سوى ضرب من ضروب شواهد الزور و أن الأحداث التي لازالت تُدرس إلى يومنا هذا في جامعاتنا و مدارسنا و ثانوياتنا الإعدادية و التأهيلية ما هي في حقيقة الأمر إلا مجموعة من الأكاذيب الموروثة و التي أقامها النظام الحاكم إبان فترة معينة لخدمة نظامه و الحفاظ عليه من الزوال, و في ظل فترة غابت عنها وسائل المواصلات السريعة حيث يسهل طمس الحقائق و دس المكائد.

و بعد الإفصاح عن مبتغاهم و سبب قتالهم للسكان الأمازيغ و علة تجبرهم و تسلطهم, أظهروا الإسلام و بينوا القرآن و ذكروا الحديث النبوي, ففطن الأمازيغ إلى قلة فهم العرب و كثرة مغالطاتهم في فهم القرآن و تفسيره و تنزيل الحديث و تطبيقه, فأعذروهم و سامحوهم على كثرة غيرتهم للدين الممزوجة بقلة فهمهم إياه, فانقلبت الموازين عندما سافر الأمازيغ إلى شبه جزيرة العرب حين التقوا برجال تقاة ورعاء صادقوا ما عاهدوا الله عليه, فأخذ منهم الأمازيغ العلم الشرعي و عادوا به إلى شمال إفريقيا, فكان العرب يتتلمذون على أيادي الأمازيغ و يصححون لهم الفهم المغلوط للدين, و يظهرون لهم حقيقة الإسلام التي جهلوها تماما حيث لم يأخذوا منه اللب و الجوهر و إنما أخذوا المحيط و القشور, فأخذوا الجهاد و جهلوا شروطه و لم يدركوا أنه آخر حل و ليس أولوية, و أخذوا تحليل المغانم و جهلوا الكيفية و الطريقة و الشروط, و أخذوا نكاح النساء مما ملكت الأيادي و الأيمان من العبيد و جهلوا الحكمة من ذلك و التي تسعى للقضاء على الرقيق و جذوره فسبوا الحرات الشريفات ممن أذهبن عقولهم بسحر جمالهن و روعة أنوثتهن.

فكان من الفرقين ثلة من العنصريين, و ظهرت جماعة من الأمازيغ التي لم تستطع المسامحة و لا استطاعت نسيان الجرح الضارب في التاريخ, و لم تأخذ بالصفح الجميل فظلت تتغنى بأمجاد الأجداد و حضارتهم و ما فتئت تنبش في خزائن التاريخ لإستحضار إرث ثقافي و هوياتي متحضر حتى تستمر معاناتها و تجعل الجرح جديدا لا يبلى, خاصة عندما يقارنون فترة وأد النساء عند العرب بنظيرتها الأمازيغية حيث تتربع المرأة على العرش لتسوس الرعية و تمارس حقها في الحكم و السياسة, و ما زاد هذه الثلة تمسكا بمطالبها هو ظهور جماعات كثيرة من العرب اللائي تعمدن إقبار و تبخيس الهوية الأمازيغية, عبر مراحل مدروسة و بأساليب ممنهجة.

و لولا توظيف الدين من تلك الجماعات لما نجحت في عملية الإقبار الممنهج , ذلك أن القرآن نزل بلسان العرب و الرسول صلى الله عليه و سلم كان عربيا الأمر الذي سهل لتلك الجماعات تعريب الهوية الأمازيغية للإنتقام من ثلة صغيرة من الأمازيغ الغاضبين على جرائم العرب و الذين لم يقبلوا بالمسامحة و الصفح, و لإحكام القبضة على السلطة كذلك و استغلال الأمازيغ بشكل عنصري فاضح ينم عن حقد دفين و ضغينة قل نظيرها مجسِّدين العنصرية الإقصائية في أبشع صورها.

بل سالت دماء الأبرياء فيما سموه بالفتوحات, و أخذوا الأطفال المساكين كأسرى و استحيوا النساء و ذبحوا الرجال المقاومين و غير المقاومين, و باغتوا النيام و قتلوا الآلاف منهم و سموا ذلك فتوحات إسلامية, و ليس هذا سوى حرب.

و لتبرير تلك الجرائم الشنيعة جاؤوا بأحاديث نسبوها للرسول الكريم حتى تتقوى عزيمة المقاتلين و يزداد أملهم بالفوز بالجنة, و من جملة تلك الأحاديث ما يلي:

ففي مسند الإمام أحمد بن حنبل جاء الحديث كالتالي: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن القاسم بن عبد الله المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن القاسم بن البرحي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أخرج صدقة فلم يجد إلا بربريا فليردها. و البربري يقصدون به الأمازيغي

أما الحديث الثاني فقد رواه أحمد في مسنده أيضا فقال: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سريج قال: ثنا عبد الله بن نافع قال: حدثني بن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: "جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم :من أين أنت قال: بربري، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: قم عني، قال بمرفقه كذا، فلما قام عنه أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إن الإيمان لا يجاوز حناجرهم"

وروى الطبراني كذلك في "المعجم الكبير": "حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف المصري, ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ثنا وهب الله بن راشد المعافري ثنا حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو المعافري عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: الخبث سبعون جزءا، للبربر تسعة و ستون جزءا وللجن و الإنس جزء واحد" .

وروى الطبراني أيضا في "المعجم الكبير": "حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا بن لهيعة حدثني يزيد بن عمرو المعافري عن مولى لرفيع بن ثابت، أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم اشترى جارية بربرية بمائتي دينار، فبعث بها إلى أبي محمد البدري من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم، و كان بدريا فوهب له الجارية البربرية فلما جاءته قال: هذه من المجوس التي نهى النبي صلى الله عليه و سلم عنهم والذين أشركوا.

و قد وردت أحاديث كثيرة في مصادر متعددة تشمل الكتب التي نعتبرها من الصحاح, و لا تتسع رقعة المقال لذكرها كلها أو الخوض فيها, و سوف لن أناقش صحة الأحاديث من عدمها لأن ذلك سبق أن أسال مدادا كثيرا و اتفق الجمهور بعدم صحة تلك الأحاديث و اعتبروها موضوعة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: إذا آمنتم حقا أن تلك الأحاديث موضوعة, لماذا تستمرون في طباعتها و لا تتجرؤون على مسحها من على المصادر التي نعتبرها كمسلمين صحيحة؟

و الحقيقة أن تلك الأحاديث لم تأت هباء, فقد جاءت لخدمة السياسة فترة معينة و لإحكام القبضة على الأمازيغ و إقبار هويتهم و شرعنة التصرفات التعصبية التي يقوم بها العرب آنذاك تجاه الأمازيغ.

من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا إستطاعت تلك الجماعات العربية التي تستولي على الحكم على القضاء على الهوية الأمازيغية و عرَّبت البلاد و رسّمت لغتها و أقصت الآخر, و لا تزال تفعل حتى الساعة كما فعلت قبل عقود عندما قرأت اللطيف حول ظهير 16 ماي أو ما يُعرف بالظهير البربري, بدعاوى واهية و درائع مختلقة للقضاء على الأمازيغ و أعرافهم و هويتهم.

و اليوم نحن في موقف الفصل لا نكن عداءً لأي جهة منهما, أمازيغي حر أنا و أفتخر و مسلم حر أنا و أفتخر, لذلك فإن هويتي أمازيغية و إخواني عرب تجمعنا آصرة العقيدة, بل كلنا إخوة مهما شاءت أو أبت تلك العناصر من ذوي الحسابات الضيقة من كلا الجانبين.

إن ما أسعى إليه اليوم و يسعى إليه كل مناضل أمازيغي حر هو الإخاء فيما بيننا و الدخول في السَّلم كافة دون التنازل عن حق المطالبة بإحياء الأمازيغية هويةً, أعرافا و تراثا تاريخيا لا ماديا حتى يستشعر الأمازيغي نفسه كائنا بذاته و ليس غريبا في بلاد أجداده.

كما أسعى إلى إفهام الأمازيغ الغاضبين و الرافضين  لكل ما يجيء من العرب, أن الإسلام دين سماوي و تشريع إلهي ليست له علاقة بتصرفات العرب و أفعالهم بل بسببهم ارتد كثير من الناس و بسببهم أبى كثيرون من الأمازيغ و غيرهم من الشعوب أن يدخلوا الإسلام و امتنعوا حتى عن دراسته, فصورتهم الراهنة لا تشجع على الإسلام أبدا لما فيهم من الكيد و الصفات الخبيثة التي حرمها الإسلام.هم لا يمثلون الإسلام و إنما يمثلون أنفسهم و علاقة للإسلام بمخططاتهم و لا بمكائدهم و لا بعنصريتهم.

و إن أصررتم أنهم الممثلين الحقيقيين لدين التوحيد فلا شيء يمنعكم أن تدرسوا الإسلام بعمق و تفهموه جيدا و تقطعوا مع الفهم العربي المغلوط, ثم قارنوا بين العرب و الإسلام, فستجدون حينها سنوات ضوئية  تفصلهم عن الإسلام, أما أن تقفلوا على أنفسكم أبواب رحمة الله بالرفض التام فهو أمر غير مقبول البتة, ثم إن طلب العلم فريضة و أنتم محاسبون يوم القيامة و لا عذر لكم إذا كان العرب سببا في نفوركم و كرهكم للدين.

ثم إن في الإستقرار السياسي التي تشهده البلاد بغض النظر عن الحقوق المهضومة و الأملاك المغتصبة, فإن هذا الإستقرار يشكل أمرا نفخر به و مكسبا قل نظيره جهويا و إقليميا ما جعل جهات معلومة تسعى لنفت سمومها و التفريق فيما بيننا عبر شعارات رقراقة و أقوال معسولة و ملغومة حسدا من عند نفسها مستغلة الحراك الشعبي الذي تشهده المنطقة.

و نحن كأمازيغ أحرار لم و لن نتنازل عنحقوقنا, و سنمارس كل الأشكال القانونية التي يكفلها الدستور للمطالبة بحقوق هويتنا التي تم إقبارها و لايزال إجهاض كل الجهود مستمرا و نحن لن نستسلم و في ذات الوقت لا نقصي العرب و لا نحقد عليهم.

ثم إنا نسعىكذلك إلى مطالبة العرب بالعودة إلى الأخلاق الإسلامية السمحة حتى تُمحى تلكم الصورة النمطية حول الإسلام و المسلمين و حتى يُقبِل على دين الإسلام كل تواق للحريةو الكرامة و العدالة, و حتى لا يضطر الباحثون عن الهوية إلى التحالفات المشبوهة و التعاون مع بني صهيون كما يحدث اليوم.

و في الختام أقول للمتأسلمين كونوا مسلمين ليُسلم الناس, و صححوا صورتكم قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

مصطفى أيتوعدي

إضافة تعليق

   





Scroll to top