صحيفة فاينانشال تايمز:في اللعبة الطويلة .. لحظة اغتنام الفرص عبر الأطلنطي حانت

ADSENSE

يتحدث القادة الأوروبيون عن لعبة صعبة. كانت فرنسا صريحة بشكل خاص ضد التهديد الأمريكي باستهداف الشركات الأوروبية التي تتعامل مع إيران، وكثير منها فرنسية، من خلال إجراءات سياسية ذات امتداد خارج الحدود الإقليمية
الأمل هو أن واشنطن سوف تلين وتمنح التنازلات والإعفاءات، فبخلاف ذلك، ما الذي يمكن لأوروبا فعله لمقاومة تنمر ترمب عليها؟
لم يكن الانسحاب الأمريكي الأحادي الجانب من الاتفاق النووي الإيراني هو الضربة الأولى للرئيس دونالد ترمب ضد التعددية التي تعهدت الولايات المتحدة بها في الماضي، إلا أن ذلك قد يكون الانسحاب ذا النتائج الأكثر عمقا، ولن تكون هذه النتائج في الشرق الأوسط، فحسب
القرار الأمريكي بشأن إيران يلقي ضوء قاسيا على ضعف أوروبا تجاه نهج ترمب أمريكا أولا. الروابط الأطلسية الوثيقة تقليديا تتحول الآن بسرعة إلى قيود، على اعتبار أنها تجعل الأمر أكثر تكلفة بالنسبة لأوروبا من أي شخص آخر يحاول تحدي السياسة
إذا نجح ترمب في تنفيذ تهديداته، فإنه لن يوقف الشركات الأمريكية فحسب عن التعامل التجاري مع إيران، بل سيفرض ما يسمى بالعقوبات الثانوية على الشركات من البلدان الأخرى، التي لديها الجرأة على تحدي السياسة الأمريكية
فيما يلي ثلاثة أنواع من الأدوات التي يمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة بشأن مصالح الأعمال الأوروبية في إيران، وهي مرتبة بحسب شدتها من الأدنى إلى الأعلى
أولا: العقوبات وفي القلب منها الغرامات؛ وحظر ممارسة الأعمال في الولايات المتحدة؛ والخيار النووي - منع الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، ومنطقة الدفع بالدولار التي يتوسطها هذا النظام للشركات التي تتعامل مع إيران ومصارفها
يمكن للأوروبيين أن يستجيبوا بسهولة للغرامات عن طريق تعويض أي من شركاتهم التي تفرض عليها. "سهل" بمعنى فني، ومن الواضح أنه سيكون ذا طابع صدامي من الناحية السياسية
ومع ذلك، فإن أنواع العقوبات الأخرى لا يمكن معالجتها بسهولة. الاستثناءات من السوق الأمريكية من شأنها أن تردع أي مجموعة كبيرة –المجموعات المؤهلة أكثر من غيرها للقيام بأعمال تجارية إيران في المقام الأول – لأن لها على الأغلب أمورا كثيرة على المحك في الولايات المتحدة أكثر مما هي في إيران
يمكن للشركات الأوروبية الأصغر أن تحاول تفادي هذا السلاح بالتركيز بشكل حصري على تجنب أمريكا والتركيز على إيران والأعمال غير الأمريكية الأخرى
وهذا يثير الإمكانية المثيرة للاهتمام وهي قيام الشركات الكبرى بفصل الأعمال المرتبطة بإيران إلى كيانات مستقلة
سيكون هذا الأمر معقدا، ولكنه ليس مستبعدا، وسيكون من المرجح أن يحدث إذا شجعت عليه السلطات الأوروبية. يمكن للحكومات حتى إنشاء أدوات شراكة بين القطاعين العام والخاص لإيواء مثل هذا النشاط، وبالتالي دحر محاولات الولايات المتحدة لتوسيع شبكة العقوبات
الفئة الثالثة من العقوبات - منع الشركات من استخدام النظام المالي والمعاملات بالدولار - هي الزر النووي
مثلما أن الحظر على القيام بالأعمال سيخيف أية شركة كبيرة ويدفعها لإطاعة أوامر واشنطن، كذلك فإن الإقصاء المالي سيخيف أي بنك ويبعده عن العملاء المرتبطين بإيران. قوة هذا التهديد ضخمة إلى درجة أنه حتى بعد رفع العقوبات عندما دخلت الاتفاقية الإيرانية حيز التنفيذ، استمرت المصارف الأوروبية الكبرى في تجنب الأعمال المرتبطة بإيران
العلاج المضاد الوحيد لهذا سيتعين عليه أن يشتمل على التجاوز التام للنظام المالي الأمريكي ونظام الدفع بالدولار
هذا لا ينبغي أن يكون من الناحية الفنية بتلك الصعوبة. سيتطلب الأمر الجمع بين شيئين: الأول هو كيان مصرفي أوروبي مستعد لتقديم الخدمات للشركات المنخرطة مع إيران، بما في ذلك الخدمات المصرفية المراسلة للبنك المركزي الإيراني (الذي فرضت الولايات المتحدة لتوها عقوبات على مُحافظه). 
مرة أخرى، يمكن رعاية مثل هذا المصرف من قبل إحدى الحكومات الأوروبية. والشيء الآخر هو استعداد البنك المركزي الأوروبي لربط هذا المصرف بالشبكة المالية في منطقة اليورو
لن يساعد هذا النهج الشركات الصناعية الكبرى المؤهلة لتستفيد إلى أقصى حد من إيران. على أية حال، سيتم ردعها بأي عائق أمام دخول السوق الأمريكية حتى لو كان هناك تمويل بديل. لذا، فإن الشركات الأوروبية الصغيرة أو المصممة خصيصا بدون أي تعاملات أمريكية، هي التي يمكنها الاستفادة من هذه الآليات
ليس من الواضح ما يمكن استخلاصه من الأعمال في إيران. ربما القليل جدا، ولكن إذا أنشأت أوروبا بالفعل أدوات لتجاوز هذه العقوبات، فستكون لها ثلاثة آثار مهمة: الأول هو أن أوروبا سيكون لها نوع معين من النفوذ على إيران بقدر ما يكون للولايات المتحدة تأثير في أوروبا: من خلال توفير الاتصال المالي مع بقية العالم
والثاني هو أنها تتحدى السياسة الأمريكية بصورة واضحة: وسوف تكون - بالنسبة إلى أوروبا- خطوة تصعيدية بشكل غير معهود
وستكون النتيجة الثالثة والأكبر هي إنشاء نظام عالمي للدفع والتسوية في مراحله الأولى يكون بديلا عن النظام القائم على الدولار
وبمجرد وجوده، من المرجح أن ينمو بمرور الوقت. قد يحدث هذا، بعد أن شهِدنا ما ترغب الولايات المتحدة في فعله، إذا اختارت المصارف والشركات الأوروبية وغيرها الاستفادة من نظام المدفوعات البديلة، ليس من أجل القيام بأعمال في إيران، بل كبوليصة تأمين ضد مزيد من الخطوات الأمريكية المتقلبة في المستقبل
هناك بذرة هنا لشيء يمكن أن يهدد دور الدولار كعملة احتياطية عالمية. نهج ترمب أحادي الجانب اتجاه التجارة الدولية، الذي يعني استمرار الاتحاد الأوروبي في التحرر مع الشركاء الآخرين، يدفع في الاتجاه نفسه، نظرا لأنه كلما زادت تدفقات التجارة التي تركز على أوروبا بدلا من الولايات المتحدة، زاد الحافز على الاحتفاظ باحتياطيات العملة باليورو
كل هذا سيتطلب المزيد من الجرأة والتأكيد أكثر مما حشده الأوروبيون حتى الآن
في هذه اللعبة الطويلة، والعلاقات عبر الأطلنطي والعلاقات العالمية، هذه لحظة لاغتنام الفرصة. يتعين على أوروبا أن تفعل ما بوسعها للبدء في تحقيق حلمها الأوروبي الطويل الأمد بإنهاء "الامتياز الباهظ" الأمريكي المتمثل في تزويد العملة الاحتياطية في العالم، أو على الأقل مطابقته 
من خلال استغلال هذا الامتياز، فإن المفارقة هي أن سياسة ترمب أمريكا أولا، ربما تؤدي إلى تقويض واحد من أعظم مصادر القوة الأمريكية

إضافة تعليق

   





Scroll to top