صحيفة فاينانشال تايمز:ما الذي جرى للحلم الأمريكي؟

ADSENSE

في مواجهة انتصار دونالد ترمب الانتخابي غير المتوقع، فعلت سارة تشيرتْشويل ما فعله كثير من الأكاديميين قبلها الذين صُعقوا بالنتيجة: رجعت إلى الأرشيف لمعرفة ما إذا كان الماضي يمكن أن يساعدها على فهم الحاضر
النتيجة هي كتاب "انظري يا أمريكا" Behold, America الحي والمشوق إلى حد كبير. تتّبعت تشيرتْشويل تاريخ الشعارين اللذين لعبا أدوارًا رئيسية في حملة 2016 وهما "أمريكا أولاً" و"الحلم الأمريكي". الأول هو الشعار الانعزالي الذي بدأ في الثلاثينيات من القرن العشرين الذي يركز الرئيس دونالد ترمب الآن على وضعه موضع التنفيذ. كان الحلم الأمريكي منذ فترة طويلة اختزالاً للنهوض من الفقر إلى حياة أفضل بما تنطوي عليها من كافة الزخارف المادية. فاز ترمب في ولايات الغرب الأوسط الرئيسية من خلال استغلال الشعور بالغضب والخوف من أن قصة النجاح الأمريكية الكلاسيكية أصبحت بعيدة عن متناول كثيرين
أبحاث تشيرتْشويل، أستاذة الأدب الأمريكي في جامعة لندن، أخذتها إلى بداية القرن العشرين، عندما بدأت كلتا الجملتين تظهر في الصحف الأمريكية. ووجدت أن المعاني المبكرة لكل منهما كانت أقل دقة وأكثر جاذبية للحساسيات الليبرالية
"أمريكا أولا" تم الترويج لها أولا من قبل وودرو ويلسون في حملة الانتخابات الرئاسية عام 1916 إلى جانب الادعاء "أنه أبقانا خارج الحرب". لكن تشيرتْشويل اكتشفت أن هذا المرشح الديمقراطي كان يصر دائماً على أن العبارة لها أيضاً عنصر دولي، يؤيد مبدأ أن أمريكا يجب أن تقود العالم. غالبًا ما استخدمت عبارة "الحلم الأمريكي" من قبل الإصلاحيين في العصر التقدمي في القرن العشرين. وبدلاً من تمجيد السعي وراء الثروة، كانوا يسعون إلى ترويض الرأسمالية الاحتكارية وحماية العمال والمجتمعات من أقطاب المال عديمي الضمير
ومع تتبعها للتاريخ الفكري، ملأت تشيرتْشويل فصول الكتاب باقتباسات جيدة وبليغة من شخصيات بارزة - البطل الطيار تشارلز ليندبيرج؛ وفرانكلين ديلانو روزفلت؛ والمعلق السياسي والتر ليبمان الذي تعتبره أول شخصية بارزة تستخدم "الحلم الأمريكي" - إضافة إلى افتتاحيات الصحف وصفحات الرسائل للصحف في جميع أنحاء وسط أمريكا. جادل روزفلت بأن "حرياته الأربع الأساسية" هي "نوع من عالم يمكن تحقيقه في عصرنا وجيلنا"، وتم تبنيها بسرعة دليلا على الحلم الأمريكي
كتاب "انظري يا أمريكا" مليء بالحقائق التي من المؤكد أن تتألق في أي حفل عشاء ذي ميول ليبرالية في عام 2018. هل كنتَ تعلم أن والد ترمب، فْريد، اعتقل في مسيرة لجماعة "كو كلوكس كلان" العنصرية في نيويورك عام 1927؟ أو أن أول من أشار إلى الحلم الأمريكي، في صحيفة نيويورك بوست عام 1900، حذر على وجه التحديد من أن "أصحاب الملايين الساخطين" يشكلون "أكبر خطر" على الجمهورية الأمريكية، وأنه إذا تم التعامل مع الأغنياء بشكل مختلف، فسيكون ذلك نهاية الحلم الأمريكي
لكن في بعض الأحيان الكتاب محدود بسبب الطريقة التي تم تأطيره فيها. عندما كنت أكتب أطروحتي في التاريخ، كان أحد الأمور المفرحة لي كثيرا التجول في صفوف الكتب في المكتبة بحثًا عن بند معين - وبمجرد وجوده، وجدت دائمًا أن ما أحتاج إليه حقًا كان في كتاب مختلف على الرف أعلاه. في المقابل، كتاب "انظري يا أمريكا" يعطيك الإيحاء بأن المؤلفة قامت بالبحث اللازم لمادة الكتاب عبر "جوجل". وجدت تشيرتْشويل بالضبط ما ذهبت لتبحث عنه، لا أكثر ولا أقل
السياق الأوسع غائب في بعض الأحيان. نقرأ بتفصيل كبير كيف تغير مفهوم "أمريكا أولا" بعد أن تبنى الحزب الجمهوري الشعار وصبغه بإيحاءات معادية للكاثوليكية والمهاجرين. قال وارن هاردينج خلال حملته الناجحة للرئاسة عام 1920 سمِّها أنانية القومية (...) لكي نحمي أمريكا أولاً، ونحقق الاستقرار في أمريكا أولاً
هذا كشف مثير للاهتمام، لكنه سيكون أكثر منطقية إذا تم تقديمه من خلال سياق تاريخي أرحب قليلاً. لا تتوقف تشيرتْشويل قط لكي تعود وتخبرك لماذا استخدم الجمهوريون هذه العبارة كجزء من الإيحاءات الخفية التي لا تفهمها إلا مجموعات معينة تشير إلى كراهية الأجانب. خلال العشرينيات من القرن الماضي كان الجمهوريون يقاتلون ضد حزب ديمقراطي تبنى خطابا مناهضا للسود في الجنوب، واستمد كثيرا من قوته في الشمال من فئة من السياسيين النشطين في المدن الكبيرة، الذين تم انتخابهم بفضل أصوات المهاجرين. وفي عام 1928 قدم الديمقراطيون أول مرشح كاثوليكي للرئاسة، آل سميث، الذي كانت له جذور إيرلندية. ووجد الجمهوريون فرصة لإبعاد الناخبين الريفيين والبروتستانت عن التصويت لسميث، لذا شهَّروا به بسبب طاعته المزعومة للبابا وحقق هيربرت هوفر انتصارا ساحقا في الانتخابات
في النهاية، أنتجت تشيرتْشويل كتابًا جاء في وقته، مستعرضا بوضوح أوجه التشابه الفكرية بين الثلث الأول من القرن العشرين وقرننا الحالي. لكن تركيزها الشبيه بالليزر على هاتين العبارتين تركني في بعض الأحيان مع شعور بأن الكتاب يدور حول الفترة التي كُتب فيها أكثر مما يدور حول الفترة التي كُتب حولها

 

إضافة تعليق

   





Scroll to top